النرويج تفعيل مفهوم «الدفاع الشامل» وتستعد لاحتمال اندلاع حرب

أعلنت النرويج، الجارة للاتحاد الروسي، إدخال نفسها في وضعية «الدفاع الشامل» عقب ما تجاوزت الأزمة الأوكرانية أربعة أعوام، ما يجعلها تعد مواطنيها لسيناريو محتمل لاندلاع صراع مسلح.
ملجأ سانت هانسهاوغن في أوسلو
يقع في أسفل إحدى الحدائق بأوسلو ملجأ سانت هانسهاوغن، وهو من أكبر الملاجئ في العاصمة النرويجية، حيث يتسع لأكثر من ألف ومائة شخص. يضم المرفق أبواباً من الحديد السميك، وتُحافظ على درجات حرارة منخفضة وإضاءة خافتة، كما أن مرافق الحمام بدائية، إلا أن الغاية الأساسية منه واضحة: توفير الحماية من التهديدات البيولوجية والكيميائية والنووية والإشعاعية.
أعداد الملاجئ ومستوى التحديث
أوضح أويستين كنودسن، مدير الدفاع المدني النرويجي، لوكالة الصحافة الفرنسية أن النرويج تمتلك حالياً نحو 18 600 ملجأ، تكفي لتغطية أقل من نصف السكان الذين يبلغ عددهم 5.6 مليون نسمة. وأشار إلى أن عددًا لا يستهان به من هذه الملاجئ يحتاج إلى تجديد، إذ بُنيت خلال فترة الحرب الباردة وتُعاني من الرطوبة والقديمة.
إعلان عام 2026 عن «الدفاع الشامل»
قررت النرويج عام 2026 تبني مفهوم «الدفاع الشامل»، الذي يهدف إلى إعداد جميع قطاعات المجتمع — من القوات المسلحة إلى الإدارات العامة والشركات الخاصة — لمواجهة أي أزمة طارئة كبرى أو نزاع مسلح. وفي كلمة موجهة إلى الشعب بمناسبة رأس السنة الجديدة، حذّر رئيس الوزراء يوناس غار ستوره من احتمال عودة الحرب إلى أراضي النرويج.
خطط لتجديد المرافق وتوسيع قدرات الدفاع المدني
تسعى الدولة العضوة في حلف شمال الأطلسي إلى إقرار شرط يُلزم المباني الحديثة الكبيرة بتوفير ملاجئ للسكان، وهو شرط أُلغِي عام 1998 عقب سقوط الاتحاد السوفيتي. لا تستهدف السلطات بناء ملاجئ فاخرة، بل تركز على توفير أماكن تُقي من تهديدات الطائرات المسيرة التي أصبحت سلاحًا أساسيًا في النزاعات الحديثة.
يضيف كنودسن أن النرويجيين الأوكرانيين يواجهون «حربًا وجودية» على أراضيهم منذ غزو روسيا في 2022، إلا أنهم لا يزالون يجدون وقتًا لتبادل الخبرات مع نظرائهم في دول أخرى. ويؤكد أن الاطلاع على تجاربهم في التعامل مع الهجمات على المدنيين يعزز قدرات الدفاع المدني ويُضيف «خبرات لا تُقدّر بثمن».
مجالس استعداد محلية ومبادرات أخرى
جاء اقتراح بناء الملاجئ ضمن مجموعة مئة توصية أُعدت في تقرير عام 2025. ومن بين الإجراءات الأخرى التي تسعى الحكومة إلى تنفيذها رفع عدد أفراد الدفاع المدني إلى 12 000 شخص، أي زيادة بنسبة 50 ٪، وإلزام جميع البلديات بإنشاء «مجالس استعداد محلية». كما تُستهدف رفع نسبة الاكتفاء الذاتي من الغذاء إلى 50 ٪ بحلول عام 2030.
في إطار متصل، تُشجع الحكومة الأسر على تخزين مؤن تكفي لمدة سبعة أيام على الأقل. وأعربت وزيرة الدولة في وزارة الأمن العام كريستينه كالسيت عن أن النرويجيين استمتعوا لعقود بالرفاهية وإمكانية إنفاق الموارد على أمور أخرى، لكن تدهور الوضع الأمني دفع إلى اتخاذ خطوات لضمان استعداد شامل لاحتمال الحرب.
وتحدثت كالسيت إلى وكالة الصحافة الفرنسية حول المباني الحكومية التي تم تدشينها في أبريل الماضي بعد أن تضررت بشكل كبير في تفجير نفذه المتطرف اليميني أندرس بيرينغ بريفيك عام 2011، وأشارت إلى أن هذه المباني لا تشمل ملاجئ.
تحديات وتداخلات التهديدات
يُشير يارله لوفي سورنْسِن، خبير إدارة الأزمات بجامعة جنوب النرويج، إلى أن طبيعة التهديدات الحالية — سواء أكانت أزمة مناخية، أو تنافس بين القوى العظمى، أو الحرب في أوكرانيا، أو الصراعات في الشرق الأوسط، أو الأوبئة — أصبحت أكثر تداخلاً مقارنةً قبل عشرين عامًا. وأوضح أن النظام يمضي على الطريق الصحيح من حيث الاستعداد، إلا أن آليات بيروقراطية وقانونية وتنظيمية تعيق الأداء الفعال.
على سبيل المثال، يختلف النطاق الجغرافي لمسؤولية الشرطة ورجال الإطفاء والخدمات الصحية والحرس الوطني في بعض المناطق، مما يجعل التنسيق بينها أمرًا معقدًا.
وفقًا لدراسة أعدتها إدارة الدفاع المدني، أفاد 37 ٪ من النرويجيين أنهم عزّزوا استعدادهم خلال العام الماضي، بينما أعرب 21 ٪ فقط عن خوفهم من وقوع حرب في البلاد خلال السنوات الخمس المقبلة.
آراء السكان حول الاستعداد
في شوارع أوسلو، تتباين آراء المواطنين حول مستوى الاستعداد أو المخاطر. يقول أويستين رينغن فاتنيدالن (51 عامًا) إن الأمر «لا يشغل بالي يوميًا، لكنني أعددت حقيبة صغيرة للطوارئ، وضعت بعض النقود، وأعددت سيناريوهات مختلفة… لدي راديو للبث الرقمي ومياه وما توصي به السلطات». وعلى النقيض، لا تتخذ كايثه هرمستاد (48 عامًا) أي تحضيرات خاصة، وتؤكد أن «الأهم هو وجود شبكة من الأشخاص ومجتمع يحيط بك».





