لوحة فلسفية تتجسد في فكر ابن حنبل: رحلة «الأبدال» من اليونان إلى التراث الإسلامي

وثّقت الرسامة كورا مقولة الفيلسوف إكسينوفانيس بلوحة فنية تصف خيلاً من بعيد، لها يدا إنسان، ترسم خيلاً يشق البحر بحوافره، وإنساناً بلا يدين خلف صخرة يراقب المشهد. عندما وصلت اللوحة إلى السوفسطائي بروتاقوراس فهم منها أن كل كائن يرى الوجود من ذاته، فأطلق عليها عنواناً مطلقاً أراد به تثبيت النسبية، قائلاً: «الإنسان مقياس كل شيء».
كانط ونظارة الإدراك الثقافي
هذه اللوحة وعنوانها دفعا الفيلسوف إيمانويل كانط إلى تصور أن الإنسان يرتدي نظارة ملونة؛ فإذا كانت خضراء صار الوجود أخضر، وإذا كانت زرقاء ازرقَّ الوجود. وتساءل تلميذه يوهان هيردر: ماذا لو اختلفت النظارة من أمة إلى أخرى؟ ألا يرى أن لكل أمة لغة، ولكل لغة بنية، ولكل بنية تراكيب، ولكل تراكيب مفردات، وأن المفردات تنحت الوجود، ولا يمكن أن يكون هذا كله إلا لأن لكل أمة رؤية للعالم؟
الصوفية والأبدال: التأويل الباطني
مرت رحلة اللوحة ببلاد العرب في القرنين الثاني والثالث الهجريين، ووجدت لها في التأويل مرتعاً خصباً. فما أن دخلت حتى وقعت بيد جماعة من الصوفية، مثل عبدالواحد بن زيد وإبراهيم بن أدهم، وأطلقوا عليها اسم «الأبدال». أرادوا بذلك أن الرسامة كورا «أبدلت» الخيل بالإنسان، وفي الوقت نفسه كان المقصود معنى باطنياً يشير إلى «الأبدال»، وهم عدد من الأولياء والعباد يسيرون الوجود بإشراقاتهم، ولا تخلو منهم الأرض، وكلما مات واحد أبدل بآخر.
ربما فسر الصوفية اللوحة بهذا الشكل لأن رؤية العرب للوجود والمعرفة والأخلاق تحتاج إلى دعائم حسية اجتماعية. فحين جاء الإسلام كان مصدر الحقيقة رؤية أفعال النبي مباشرة وسماع أقواله، ولكن بعد وفاته احتاجوا إلى «بديل»، فظهرت نظرية الأبدال. إلا أن الصوفية -بفكرة الشخصنة الباطنية- تأثروا بثقافات فارسية وهندية تربط الوجود بقوى خفية وأسرار باطنية.
ابن حنبل ولوحة مفاهيمية: إبدال المعنى لا الذوات
جاء الإمام أحمد بن حنبل وشكل من نظرية الأبدال لوحة مفاهيمية، منتزعاً المصطلح من حقله الميتافيزيقي وواضعاً إياه في أصل العقل العربي الحسي. قال للصوفية: لوحة الرسامة كورا تعبر عن شكل الإبدال، وليس عن ذوات لا ترى. فالتفت إليه ابن إبراهيم الصوفي وسأله: فمن الأبدال إذن؟ قال: هم أهل الحديث. ثم جاء بكراس ووضع المصحف عليه كأنه مسطرة، وخط خطاً عن يمينه وعن شماله ليكونا متوازيين بشكل مستقيم، وكتب من الأعلى إلى الأسفل آية: «أفمن يمشي مكباً على وجهه أهدى أم من يمشي سوياً على صراط مستقيم». ثم وضع أسماء أشخاص على هوامش الكراس، وبجانب كل اسم خط مقطوع متعرج يمتد ليعترض الخطين المتوازيين بمحاذاة المصحف، ويحاول أن يبدل فيهما.
المدهش أن لوحة ابن حنبل تصف الجميع بأنهم أبدال، لكن هناك أبدال سلبيون، وهم أصحاب الخطوط المقطوعة، لأنهم يحرفون وينتحلون ويؤولون، وهذه صفات غير العرب. أما أهل الحديث -شكل الخط الأكبر المحاذي للمصحف- فهم الأبدال الإيجابيون، وهم العرب في أصل نظرتهم الوجودية، أولئك الذين يحرسون بنية الواقع وطريقة العربي في إدراك وجوده.
من هذا المنطلق نفى أهل الحديث عن الوجود تحريف الغالين، وهو «إبدال» الألفاظ والمعاني عن مراد الله كما تنظر إليه العين العربية حسياً بالمصحف. فحين يقول القرآن: «يد الله فوق أيديهم» فهذا يعني أن لله يداً، لكن بلا تكييف يحدها، ولا تمثيل يجسدها، ولا تأويل يعطلها. ونفوا عن الوجود انتحال المبطلين، وهو «إبدال» الشكل الأصيل بمتخيل زائف، ونفوا عن الوجود تأويل الجاهلين، وهو «إبدال» الباطن المجرد بالظاهر المحسوس.
المفارقة المدهشة أن أهل الحديث، كي يحموا وجودهم من التبديل الوافد عليهم، توسلوا بثورة إبدال مضادة؛ أي صناعة طائفة منصورة لا تخلو الأرض من أفرادها، ومعركتها الكبرى حماية الوجود الإلهي من التجريد وإبقاؤه على ظاهره كما يحسه العربي.
هجاء أرسطو واختراع الرسم
والأكثر إدهاشاً أن أرسطو، وهو يؤلف كتابه الميتافيزيقا، هجا إكسينوفانيس بهجاء مقذع، ولم تكن خطيئته إلا أنه صاحب فكرة اللوحة الأولى التي تربط المطلق والوجود بالحس الثقافي، وأرسطو يريدها مجردة بالمنطق العقلي. وهذه المنطقية هي التي ينفيها أهل الحديث حين تتجلى على لسان خصومهم. وكأن ابن القيم لو اطلع على هجاء أرسطو لقال ساخراً: إن إكسينوفانيس هو الضحية الأولى لانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.
والأكثر إدهاشاً من هذا وذاك أن الرسامة كورا ينسب إليها اختراع فن الرسم، حيث يروى أنها أرادت الاحتفاظ بصورة عشيقها قبل سفره، فتتبعت ظل وجهه الساقط على الجدار ورسمت حدوده بخط متصل. هذا الفعل من كورا هو ما سيفعله ابن حنبل حين خط الخطوط ليحفظ الوجود النصي من الغياب والتبديل.
عندما جعل ابن حنبل «الأبدال» هم أهل الحديث، كان يطبق قانوناً في لغة العرب. فالإبدال عند العرب هو إقامة حرف مقام آخر يقاربه في المخرج والصفة، بشرط اتحاد المعنى؛ كلفظة «صراط» التي نطقتها العرب: صراط وسراط وزراط، فالصاد والسين والزاي تشترك في صفة الصفير، لذا أبدلت العرب بينها لأن المعنى واحد وهو الطريق المستقيم. لكن ماذا عن لفظتي «نظر ونضر»؟ فعلى الرغم من أن حرفي الضاد والظاء قريبان في المخرج والصفة، فإن العرب لا تسمي ذلك إبدالاً لأن المعنى يختلف بين اللفظتين؛ فنضر بمعنى حسن وأشرق كقوله: «وجوه يومئذ ناضرة»، ونظر بمعنى أبصر بالعين كقوله: «إلى ربها ناظرة».
إذن الأبدال في لوحة ابن حنبل تتغير أشكالهم ويموتون ليحل محلهم آخرون، والغاية من هذا التبديل الشكلي هو الحفاظ على المعنى الأصلي.





