الرئيسيةكتاب و آراءزراعة الزهور الموسمية في السعودية: جمال...
كتاب و آراء

زراعة الزهور الموسمية في السعودية: جمال مؤقت أم هدر مستمر؟

21/05/2026 09:01

مع مطلع كل فصل شتاء وصيف، تشهد مدن المملكة مشهداً يتكرر سنوياً: استنفار الأمانات والبلديات لطواقمها من أجل ملء الميادين والأرصفة بملايين الشتلات من الزهور الموسمية، مثل “البيتونيا” الشتوية و”البفتة” الصيفية. تزهو هذه الزهور بألوانها الصاخبة لأسابيع معدودة، ثم سرعان ما تذبل وتتحول إلى ركام جاف مع أول موجة حر أو تغير جوي طفيف، لتنطلق دورة جديدة من الشراء والنقل والزراعة، وينتهي المشهد بهدر الموارد مرة أخرى.

استثمار في سراب

يرى المختصون في هذا المجال أن خلف هذه الألوان الزاهية يكمن عبء مالي ولوجستي يستنزف الموارد بشكل دوري ومستمر. ويصفون زراعة الورود الموسمية، التي لا يتجاوز عمرها الافتراضي ثلاثة أشهر، بأنها أشبه بـ”استثمار في سراب”، إذ تستهلك ميزانيات ضخمة في الصيانة والري، ومبالغ طائلة في التوريد السنوي. والنتيجة النهائية هي جمال مؤقت يرحل سريعاً، ويخلف وراءه تربة فارغة وتكاليف باهظة.

عمر الورود وسنوات الاستدامة

المشكلة، بحسب المختصين، لا تكمن في الجمال ذاته، بل في “ثقافة التكرار” التي تجعل من الورود الموسمية عبئاً دائماً. ومن أبرز مظاهر هذا العبء ضعف مقاومتها، فهي لا تتحمل تقلبات الأجواء القاسية في مناطق المملكة، مما يجعلها عرضة للموت الجماعي المفاجئ. كما أن الاستنزاف المالي كبير، إذ تُدفع سنوياً مبالغ طائلة لتوريد شتلات جديدة، كان يمكن إنفاقها على تطوير البنية التحتية الزراعية. إضافة إلى ذلك، تتطلب الموسميات رياً مكثفاً وعناية يومية دقيقة لا تتناسب مع عمرها القصير، مما يعني هدراً في المياه والعمالة.

التحول نحو البدائل الدائمة

يرى المختصون أن التحول نحو “الورود والأشجار الدائمة” ليس مجرد خيار تجميلي، بل هو قرار اقتصادي وبيئي ذكي. فاستبدال الموسميات ببدائل مستديمة ومقاومة للبيئة المحلية يحقق فوائد جوهرية، منها تقليل الهدر المالي من خلال الزراعة لمرة واحدة توفر ميزانيات التوريد السنوية لسنوات طويلة. كما يسهم في خلق هوية بصرية ثابتة للمدن، على غرار المدن العالمية التي لا تتغير ملامحها كل ثلاثة أشهر، بل تبني جمالها على أشجار ونباتات تنمو وتزداد وقاراً مع الزمن. إضافة إلى توفير المياه والطاقة، إذ إن النباتات الدائمة غالباً ما تكون أكثر تكيفاً مع البيئة، وتحتاج كميات مياه أقل بكثير بعد مرحلة التأسيس مقارنة بزهور الزينة الهشة.

السعودية الخضراء.. رؤيتها خضراء

يؤكد المختصون أن الوقت قد حان للانتقال من “زراعة المناسبات” إلى “زراعة المستقبل”، حيث تبقى الشجرة التي تظلل المواطنين اليوم لتجمل الغد دون أن تثقل كاهل الميزانية. ويضيفون أن المملكة تعيش اليوم عصر التحول الكبير، وعند القول “السعودية الخضراء.. رؤيتها خضراء”، فإن الحديث لا يدور عن لون عابر يزول بزوال الموسم، بل عن “فكر أخضر” يستهدف ديمومة النماء وكفاءة الإنفاق. فالرؤية الخضراء الحقيقية، برأيهم، هي التي تستبدل “الهدر الموسمي” بـ”الاستثمار الدائم”، وتزرع الشتلة لتبقى لا لتموت.