الرئيسيةعربي و عالميدراسة تكشف أسرار ألوان الفراعنة: السمسم...
عربي و عالمي

دراسة تكشف أسرار ألوان الفراعنة: السمسم والمورينغا في الوصفات

28/08/2026 01:01

لم تقتصر ألوان المصريين القدماء على كونها مجرد أصباغ ممزوجة بمادة لاصقة بسيطة، بل أظهرت دراسة حديثة أن تحضيرها كان يعتمد على وصفات معقدة تضمنت منتجات السمسم والمورينغا وأنواعاً مختلفة من الغراء الحيواني.

حلّل فريق دولي 28 عينة مجهرية مأخوذة من 14 عملاً فنياً، يعود أقدمها إلى حوالي عام 1425 قبل الميلاد، بينما يرجع أحدثها إلى عام 400 ميلادية. وضمت الأعمال توابيت خشبية ورسوماً على جدران المقابر وقطعاً من الحجر الجيري وأقنعة خاصة بطقوس الدفن، محفوظة في المتحف البريطاني بلندن، ومتحف البحر المتوسط والشرق الأدنى في ستوكهولم، ومتحف “ني كارلسبرغ غليبتوتيك” في كوبنهاغن.

تقنية متطورة لتحليل البروتينات

استخدم الباحثون تحليل البروتينات القديمة عبر مطياف الكتلة، وهي تقنية تسمح برصد البصمات البروتينية المتبقية داخل المواد الرابطة واللاصقة، وتحديد الأصل النباتي أو الحيواني لبعض مكوناتها. نُشرت نتائج الدراسة يوم الخميس في دورية “ساينس أدفانسز” العلمية، وأُتيحت بياناتها العلمية عبر منصة “بروتيوم إكستشينج” لتبادل بيانات البروتينات.

تنوع مصادر الغراء الحيواني

أظهرت النتائج أن الغراء البقري كان الأكثر شيوعاً بين العينات التي احتوت على مواد حيوانية، لكن الباحثين اكتشفوا أيضاً بروتينات تعود إلى الأغنام أو الماعز والحمير والخيول، وربما بعض الحيوانات البرية من فصيلة الظباء. يرجح الفريق أن هذه المواد كانت تُحضّر من الجلود والأنسجة الضامة الغنية بالكولاجين، وليس من العظام وحدها، ثم تُستخدم لتثبيت طبقات الطلاء أو لصق أجزاء القطع الأثرية.

يشير تنوع المصادر الحيوانية إلى أن الفنانين لم يعتمدوا مادة واحدة في جميع أعمالهم، بل اختاروا مكونات مختلفة وفقاً لطبيعة القطعة والغرض من المادة وربما الموارد المتاحة في كل فترة أو ورشة. لكن النتائج لا تعني بالضرورة أن جميع الفنانين المصريين استخدموا الوصفات نفسها، إذ تظل الدراسة محصورة في عدد محدود من العينات والأعمال المحفوظة في ثلاثة متاحف أوروبية.

مفاجأة السمسم والمورينغا

كانت المفاجأة الأبرز اكتشاف بروتينات نباتية مصدرها السمسم والمورينغا، وهي مواد لم يسبق توثيق وجودها جزيئياً داخل أعمال فنية مصرية قديمة. ولا يعني ذلك أن النباتين استُخدما كصبغتين لإنتاج الألوان، بل يرجح الباحثون أن منتجاتهما دخلت في المواد التي تحمل الصبغة وتساعد على تثبيتها فوق الخشب أو الجص أو الحجر.

أجرى الفريق تحليلات كيميائية إضافية لمعرفة الصورة التي استُخدمت بها هذه النباتات. وأظهرت النتائج وجود مادة غنية بالبروتين وآثار محدودة من الزيت، مما أضعف احتمال استخدام زيت السمسم أو المورينغا في صورته النقية. يطرح الباحثون احتمال استخدام “كسب البذور”، وهو الجزء الغني بالبروتين الذي يبقى بعد عصر البذور واستخراج زيتها. وإذا تأكد ذلك، فقد يكشف عن استفادة ورش الفن من منتج ثانوي لعمليات صناعة الزيت وإدخاله في تحضير الألوان والمواد اللاصقة.

لكن الدراسة لا تحسم ما إذا كانت هذه الممارسة منتشرة على نطاق واسع، أم اقتصرت على أعمال أو ورش محددة. كما ناقش الباحثون احتمال ارتباط اختيار المورينغا بمعانٍ رمزية أو دينية، بالنظر إلى ظهور الشجرة في بعض الشواهد المصرية القديمة وصلتها المحتملة بالإله بتاح، راعي الحرفيين. إلا أن هذا التفسير يحتاج إلى أدلة أثرية ونصية إضافية.

أهمية لخبراء الترميم

لا تكشف النتائج عن مهارة الفنان المصري القديم فقط، بل تمنح خبراء الترميم معلومات أدق عن المواد الأصلية المستخدمة في الأعمال الأثرية. فمعرفة نوع البروتينات النباتية أو مصدر الغراء الحيواني قد تساعد في اختيار مواد التنظيف والتثبيت، وتجنب علاجات يمكن أن تتفاعل مع الطبقات الأصلية أو تتسبب في تلفها.

بهذا، لا تقدم الدراسة وصفة موحدة لألوان مصر القديمة، بقدر ما تكشف عن عالم من التجريب والخبرة داخل الورش، حيث امتزجت الصبغات بالبيض والغراء ومنتجات البذور لصناعة أعمال احتفظ كثير منها بألوانه عبر آلاف السنين.