الرئيسيةعربي و عالميضوء خافت من الجسد يكشف أسرار...
عربي و عالمي

ضوء خافت من الجسد يكشف أسرار الصحة والأمراض

30/07/2026 19:05

ما هي الفوتونات الحيوية؟

يطلق جسم الإنسان والحيوانات والنباتات فوتونات شديدة الضعف لا يمكن للعين المجردة رؤيتها، وتنتج هذه الفوتونات عن عمليات أيضية داخل الخلايا، בעיקרاً في الميتوكوندريا حيث يتم استخدام الأكسجين لتفكيك المواد الغذائية وإنتاج الطاقة. خلال هذه التفاعلات تتشكل جزيئات نشطة من أنواع الأكسجين التفاعلية التي تتحلل وتطلق جزءاً من طاقتها على شكل فوتونات، وقد يكون لون هذا الضوء أحمراً أو أزرقاً أو أخضراً. يختلف هذا الانبعاث عن الإشعاع الحراري الذي تبعثه جميع الأجسام وفقاً لدرجة حرارتها، وكذلك عن الإضاءة الحيوية القوية التي تظهر لدى كائنات مثل اليراعات وقناديل البحر.

التطبيقات المحتملة في الكشف عن الأمراض

في عام 2025 نشر عالم فيزياء الكم دانيال أوبلاك وفريقه من جامعة كالغاري الكندية صوراً لفئران ظهرت فيها هالة ضوئية خافتة حول أجسامها، التقطت بواسطة كاميرا شديدة الحساسية داخل غرفة مظلمة. كان هذا الضوء أضعف من أن تراه العين، لكنه ظهر في الصور على شكل وهج باهت يحدد ملامح الفئران. بعد وفاة الفئران وإعادة تصويرها في نفس الظروف اختفت معظم هذه الهالة وبقي فقط عدد قليل من النقاط الضوئية، وصف أوبلاك هذا التباين بأنه لحظة فارقة وكأن الفريق صور الحياة نفسها.

تعتبر الفوتونات الحيوية مؤشراً محتملاً على صحة الخلايا؛ فالخلايا تطلق دفعات إضافية من الضوء عندما تتعرض للإجهاد أو العدوى أو الإصابة. في تجربة غير منشورة قام فريق أوبلاك بإحداث جروح صغيرة في أوراق النبات ولاحظ ارتفاعاً سريعاً في انبعاث الفوتونات عند موقع القطع قبل أن ينتشر الوهج على شكل حلقة أوسع، وهو ما قد يعكس استجابة النبات للإصابة في الزمن الحقيقي.

أظهرت أبحاث أخرى أن تحليل هذا الضوء قد يساعد في قياس النشاط الأيضي ومستويات الإجهاد التأكسدي المرتبط بأمراض مثل السرطان وأمراض القلب والأوعية الدموية والاضطرابات العصبية التنكسية. بدأت فرق بحثية بالفعل دراسة الفروق بين الانبعاثات الضوئية الصادرة عن الخلايا السليمة والخلايا السرطانية؛ ذكر فريق إيطالي وجود أنماط مختلفة بين خلايا دماغية سليمة وخلايا الورم الأرومي الدبقي، بينما رصد باحثون كنديون فروقاً مماثلة بين خلايا الجلد الطبيعية وخلايا الميلانوما السرطانية. يعمل أحد هذه الفرق حالياً على اختبار ما إذا كان قياس الفوتونات قادراً على التمييز بين الشامات الحميدة وسرطان الجلد من دون الحاجة إلى أخذ خزعة.

مع ذلك يحذر بعض العلماء من الاستخدام الطبي المباشر لهذه التقنية بسبب ضعف الإشارة الضوئية وصعوبة التقاطها عبر الجلد والأنسجة. كان الهدف الأصلي لتجربة الفئران هو اكتشاف أورام تحت الجلد، لكن الصور لم تُظهر إشارة حاسمة ربما بسبب تشتت الفوتونات داخل الأنسجة. وفي تجارب أخرى لاحظ الباحثون اختلافاً بين الضوء الصادر عن أنسجة الحُصين في أدمغة فئران سليمة وأنسجة فئران أُصيبت بنموذج تجريبي من مرض ألزهايمر، ويقترح الفريق بصورة أولية أن يصبح من الممكن مستقبلاً مراقبة مؤشرات المرض باستخدام شريحة ضوئية صغيرة تُزرع داخل الجمجمة، على الرغم من أن هذه الفكرة ما زالت في مراحل بحثية مبكرة.

بالإضافة إلى ذلك تُدرس استخدامات أخرى للفوتونات الحيوية مثل فحص صلاحية البذور الزراعية وتقييم سلامة الأعضاء المتبرع بها قبل زراعتها.

هل تستخدم الخلايا الضوء للتواصل؟

السؤال الأكثر جدلاً هو ما إذا كانت الخلايا لا تقتصر على إصدار الضوء بل تستعمله أيضاً للتواصل بينها. تعود هذه الفكرة إلى عشرينيات القرن الماضي عندما اقترح عالم أحياء روسي أن جذور النباتات قد تبعث أشعة فوق بنفسجية تحفز انقسام الخلايا في الجذور المجاورة. لكن نتائج تلك التجارب كان من الصعب تكرارها، مما دفع كثيرين إلى اعتبار المجال قريباً من العلوم الزائفة.

منذ ذلك الحين أشارت دراسات إلى أن خلايا مفصولة بحواجز شفافة قد تؤثر في بعضها، بينما يختفي التأثير عند استخدام حواجز معتمة. ومع ذلك يؤكد الباحثون أن هذه النتائج لا تزال مثار جدل بسبب صعوبة استبعاد عوامل أخرى مثل انتقال مواد كيميائية عبر الهواء أو تأثير الضوء المحيط.

يرى بعض العلماء أن الإشارة قد لا تكمن في كل فوتون منفرد بل في النمط الزمني المنسق للانبعاثات، وهو ما قد يسمح بتمييزها عن الضوضاء الضوئية المحيطة. حتى الآن لا يوجد دليل حاسم يثبت أن الخلايا تستخدم الفوتونات الحيوية بوصفها نظاماً للاتصال.

يخلص الباحثون إلى أن المجال يقف اليوم بين إثبات ظاهرة بيولوجية حقيقية وبين أسئلة كبرى لم تُحسم بعد، تتعلق بإمكان تحويل هذا «الوهج الخافت» إلى وسيلة لتشخيص الأمراض أو حتى تطوير علاجات تعتمد على الضوء.