الرئيسيةمحلياتجامعة أم القرى.. من كلية الشريعة...
محليات

جامعة أم القرى.. من كلية الشريعة إلى الريادة العالمية في التعليم والبحث

10/06/2026 19:02

عند الحديث عن التعليم الجامعي في المملكة العربية السعودية، تبرز مؤسسات علمية ساهمت في بناء الإنسان ودفع عجلة التنمية. غير أن بعض الجامعات تحمل إرثاً تاريخياً ومكانة خاصة مرتبطة بالمكان والزمان، وفي طليعتها جامعة أم القرى التي انطلقت جذورها من مكة المكرمة، مهبط الوحي وقبلة المسلمين، لتصبح اليوم من أبرز الجامعات السعودية والعربية حضوراً وتأثيراً.

نشأة تاريخية ومسيرة تطوير

في عام 1369هـ، أمر الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود – طيب الله ثراه – بإنشاء كلية الشريعة بمكة المكرمة، لتكون أول مؤسسة تعليم جامعي في المملكة. ثم توجت هذه المسيرة بصدور المرسوم الملكي الكريم عام 1401هـ بإنشاء جامعة أم القرى، التي أصبحت اليوم من أكبر الجامعات السعودية وأكثرها تنوعاً في التخصصات والبرامج الأكاديمية. وخلال السنوات الماضية، شهدت الجامعة مرحلة تطوير شاملة أكاديمياً وإدارياً، تمثلت في تحديث الخطط الدراسية لبرامج البكالوريوس والدراسات العليا، وتطوير ما يزيد على أربعة آلاف مقرر دراسي، واستحداث عشرات البرامج النوعية الجديدة التي تلبي احتياجات سوق العمل ومتطلبات التنمية الوطنية، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030.

ولم يكن التطوير مجرد عنوان، بل جاء وفق رؤية استراتيجية واضحة. عملت الجامعة على تحديث استراتيجيتها وبرامجها ومبادراتها ومؤشرات أدائها بما يتوافق مع التوجهات الوطنية الحديثة، وحققت نسبة إنجاز بلغت 83% من خطتها الاستراتيجية عبر تنفيذ 79 مبادرة استراتيجية، أسهمت في تعزيز الأداء المؤسسي ورفع كفاءة العمل وتحقيق مستهدفات الجامعة.

إنجازات أكاديمية وتصنيفات عالمية

على الصعيد الأكاديمي، واصلت الجامعة تعزيز مكانتها في التصنيفات العالمية؛ حيث حققت تخصصات الطب والصيدلة والهندسة والعلوم مراكز متقدمة ضمن أفضل 500 تخصص عالمي في تصنيفات دولية مرموقة. كما سجلت حضوراً لافتاً في تصنيفات التخصصات البينية المرتبطة بجودة التعليم وتأثير الجامعات في خدمة المجتمع.

بحث علمي وابتكار فضائي

أما البحث العلمي، فواصل مسيرته التصاعدية داخل الجامعة من خلال دعم برامج تجويد البحث العلمي، وتطوير الدراسات العليا والابتعاث، وتعزيز دور المراكز والكراسي البحثية والمجلات العلمية. وانعكس ذلك على نشر أكثر من 5200 بحث علمي في قواعد البيانات العالمية خلال عام 2025م، إضافة إلى تسجيل 20 براءة اختراع، وإطلاق القمر الصناعي “أفق” بالتعاون مع وكالة الفضاء السعودية، في خطوة تؤكد قدرة الجامعات السعودية على مواكبة التحولات العلمية والتقنية العالمية.

خدمة المجتمع والاستدامة المالية

ولأن جامعة أم القرى تنتمي إلى مكة المكرمة وتحمل مسؤولية علمية ووطنية خاصة، ظل دورها متجاوزاً حدود التعليم التقليدي من خلال إسهاماتها في خدمة المجتمع والعمل التطوعي والمسؤولية المجتمعية، إلى جانب الدور الريادي لمعهد خادم الحرمين الشريفين لأبحاث الحج والعمرة، الذي يقدم الدراسات والاستشارات العلمية المرتبطة بخدمة ضيوف الرحمن، ويسهم في تطوير منظومة الحج والعمرة بما يواكب تطلعات القيادة الرشيدة. كما نجحت الجامعة في تعزيز استدامتها المالية عبر تنمية أوقافها وتطوير أصولها الاستثمارية من خلال شركة وادي مكة للتقنية، الذراع الاستثماري للجامعة، حتى بلغت القيمة الإجمالية للمحفظة الوقفية نحو 77 مليون ريال، بما يدعم خططها المستقبلية ويعزز قدرتها على مواصلة التطوير والنمو.

حضور دولي وجوائز متعددة

وامتد حضور الجامعة إلى الساحة الدولية من خلال شراكات أكاديمية وبرامج تبادل طلابي وتدريب دولي، إلى جانب تفعيل المجلس الاستشاري الدولي الذي يضم نخبة من الخبراء والعلماء من عدة دول. الأمر الذي أسهم في تعزيز مكانة الجامعة كوجهة تعليمية مفضلة للطلاب الدوليين القادمين من 88 دولة حول العالم.

ومن المؤشرات المهمة على نجاح هذه المسيرة حصول الجامعة على العديد من الجوائز والتكريمات المحلية والدولية، ومنها جائزة تجربة العميل لعامين متتاليين، وجائزة الابتكار في التعليم والتدريب، وتحقيقها المركز الخامس بين الجامعات السعودية في تمكين ريادة الأعمال، إضافة إلى فوزها بالجائزة الوطنية للعمل التطوعي أربع مرات متتالية. وهذه إنجازات تعكس جودة الأداء وتنوع مجالات التميز.

وما كان لهذه المنجزات أن تتحقق بعد توفيق الله إلا بفضل الدعم الكبير الذي يحظى به قطاع التعليم في المملكة، وجهود إدارة الجامعة بقيادة معالي رئيسها د. معدي بن محمد آل مذهب، وما يبذله الوكلاء والعمداء وأعضاء هيئة التدريس والباحثون والباحثات والموظفون والموظفات من عمل دؤوب وروح فريق واحدة، جعلت من جامعة أم القرى نموذجاً وطنياً مشرفاً يجمع بين الأصالة والتطوير، وبين شرف المكان وطموح الإنجاز.

ختاماً، فإن جامعة أم القرى ليست مجرد مؤسسة أكاديمية تمنح الشهادات العلمية، بل صرح معرفي يحمل رسالة وطنية وإنسانية سامية، ويجسد قصة نجاح ممتدة من تاريخ عريق إلى مستقبل واعد. وكلما اطلعنا على منجز جديد لهذا الصرح الشامخ، ازددنا يقيناً بأن الجامعات السعودية أصبحت شريكاً رئيساً في صناعة المستقبل وتحقيق مستهدفات الوطن، وأن جامعة أم القرى ستظل – بإذن الله – جامعة تحمل شرف المكان ورسالة الإنسان، وتواصل أداء رسالتها العلمية والوطنية بكل اقتدار وتميز.