العمارة النجدية.. حين يروي الطين والأثل حكاية حياة الأمس

اعتمدت العمارة التقليدية في منطقة نجد على الطين المستخرج من ضفاف الأودية، فيما استُخدم خشب الأثل في الأسقف والأبواب والعناصر الإنشائية الأخرى، وفق ما يوضحه المهندس عبد الرحمن ماجد الشهيوين، رئيس ومؤسس الجمعية السعودية للعمارة والتخطيط.
ويشير الشهيوين إلى أن «الأستاد» كان هو المسؤول في المباني الكبيرة عن وضع التصميم الأولي للأرض وإقامة الأساسات، بينما كانت المباني الصغيرة والمزارع تُترك أحياناً لأصحابها لبنائها وفق إمكاناتهم واحتياجاتهم.
طرائق البناء ومواده
تنوعت أساليب التشييد بين العروق واللبن والبناء المبسط. ففي طريقة العروق، يُخمر الطين بالماء ويخلط بالتبن حتى يكتسب تماسكاً، ثم يُبنى منه عرق فوق الآخر، وهذه الطريقة عُرفت بمتانتها وتحملها واستُخدمت في الأسوار والمباني المرتفعة. أما اللبن، فيتم تشكيل الطين المخلوط بالتبن داخل قوالب خشبية، ثم يُترك حتى يجف قبل رصه فوق الأساس وربطه بالطين.
أما البناء المبسط، فكان يعتمد على وضع الحجارة وربطها بالطين، واستُخدم في بعض المباني والأفنية. وبعد إتمام الجدران، تبدأ أعمال السقف باستخدام خشب الأثل والعسبان، ثم تُغطى بطبقات من الطين، مع إنشاء المزراب لتصريف مياه الأمطار. وكانت «الطاية» تُستخدم كسطح للنوم في الصيف، فيما وفرت «الحجا» ساتراً للأسر عن الجيران.
البيت النجدي.. تنظيم دقيق للحياة
يؤكد الشهيوين أن البيت النجدي لم يكن مجرد مكان للسكن، بل جاء تقسيمه مرتبطاً بوظائف الحياة اليومية. وتبرز «القهوة» أو «الدكة» كواحدة من أهم أجزاء البيت، حيث خصصت لاستقبال الضيوف وإعداد القهوة والشاي وتقديم الطعام، واعتُني بتزيينها بالجص، مع وجود «الوجار» للنار و«الكمار» لحفظ الدلال والأباريق، إضافة إلى فتحات في السقف تساعد على إخراج الدخان.
ويضم البيت أيضاً «الليوان» وهو رواق ملاصق للقهوة، و«الخابية» كمستودع للحطب، و«الموقد» الذي يمثل المطبخ، و«القبة» المخصصة لاجتماع الأسرة وتناول الطعام، إلى جانب «الصفة» للنوم، والحوش الذي يمثل مساحة مفتوحة داخل البيت. وكان للبيت في الغالب مدخل للضيوف وآخر للأسرة والنساء.
وتتعدد التسميات والوظائف داخل البيت، منها الدهليز والروشن والمقصورة والكنيف، ما يعكس دقة توزيع المساحات وفق الاستخدامات المختلفة. كما صُنعت الأبواب من خشب الأثل لقوته ومقاومته للظروف المناخية، وظهرت في بعض البيوت أبواب كبيرة من جذوع النخل، وأضيفت فتحات صغيرة بجانب بعض الأبواب لتمكين من في الداخل من فتحها دون الخروج.
جماليات وهوية بصرية
حملت العمارة النجدية جانباً جمالياً إلى جانب وظيفتها، إذ اعتنى السكان بزخرفة البيوت، خصوصاً القهوة والأبواب والنوافذ، باستخدام الجص الأبيض والنقوش والدوائر والأشكال الهندسية. وظهرت الزخارف على الواجهات والسطوح، ومنها الشرفات الصغيرة ذات الأشكال المثلثة، ما منح المباني طابعاً بصرياً مميزاً.
وتشير المصادر إلى حضور الزخارف الهندسية والنباتية في الأبواب والنوافذ، إلى جانب استخدام ألوان لافتة مثل الأحمر والأصفر، كما اشتهرت منطقة نجد بفنون النقش والتلوين على الأبواب والنوافذ.
بيت البسام.. نموذج حي للتراث
يقدم بيت البسام التراثي في عنيزة نموذجاً بارزاً لتطور العمارة القديمة في نجد. بدأ بناؤه عام 1374هـ واكتمل عام 1378هـ، ثم أعيد ترميمه عام 1421هـ، ويقع على مساحة تبلغ 3500 متر مربع بالقرب من البوابة الغربية لمدينة عنيزة القديمة وسوق المسوكف الشعبي.
واستخدم في بنائه الطين مادة أساسية، إلى جانب الحجر في الأساسات، والجص في أعمال الربط واللياسة والنقوش، والأخشاب في الأسقف والأبواب والنوافذ. ويتكون البيت من دورين و32 غرفة، ويضم أقساماً متعددة للرجال والعائلة والتجارة، إضافة إلى مجالس صيفية وشتوية وخلوة سفلية، وفناء وحديقة ومرافق مرتبطة بالحياة اليومية.
وبعد ترميمه وتأثيثه، تحول بيت البسام إلى موقع يستضيف فعاليات تراثية وترفيهية واجتماعية ومناسبات وطنية، ويستقبل الوفود السياحية والطلابية وزوار المنطقة.
ويختتم الشهيوين قائلاً: تكشف تفاصيل العمارة النجدية أن البناء التقليدي لم يكن مجرد استجابة لمحدودية الموارد، بل منظومة متكاملة جمعت بين التكيف مع البيئة، وتنظيم الحياة اليومية، والخصوصية الاجتماعية، والوظيفة والجمال. وبين الطين والأثل والجص والخشب، حفظت البيوت القديمة تفاصيل من حياة المجتمع النجدي، فيما تواصل النماذج التراثية القائمة اليوم تقديم هذه الملامح للأجيال والزوار.





