نموذج «سلة المهملات» في الجامعات: من الفوضى الظاهرية إلى ضرورة الحوكمة

يُضرب المثل الشعبي «على فطنة وخذت الغنم» للإشارة إلى تقديم الرأي أو المعلومة بعد فوات الأوان، حين تضيع الفرصة وتُحسم النتيجة. في الإدارة، غالباً ما يؤدي هذا النمط إلى قرارات تُصنع بردود الأفعال وتُدار بمنطق الطوارئ بدلاً من التخطيط الاستباقي. فقيمة المعرفة لا تكمن في امتلاكها، بل في تحويلها إلى قرار أو إجراء في الوقت المناسب. ومن هنا يأتي دور القائد الإداري في استشراف المستقبل، واستقراء الفرص والمخاطر، واستباق التحديات برؤية شمولية تُمكّنه من ترتيب الأولويات واتخاذ القرار الصائب في التوقيت المناسب، متجاوزاً مجرد تفسير الإخفاقات أو تبريرها بعد وقوعها.
النموذج الإداري وتقاطعات المسارات
يجد هذا المثل الشعبي ما يوازيه في الفكر الإداري الحديث. فقبل أكثر من خمسين عاماً، قدّم الباحثون Cohen وMarch وOlsen نموذجاً أصبح من أشهر نماذج تحليل القرار التنظيمي، وأطلقوا عليه اسم «نموذج سلة المهملات» (Garbage Can Model). ورغم غرابة الاسم، فإنه لا يقصد به الفوضى بمعناها السلبي، بل يصف طبيعة اتخاذ القرار في المنظمات التي تتسم بالغموض وتعدد الأهداف وتغير المشاركين وتعددهم، وهي خصائص تنطبق بدرجة كبيرة على الجامعات.
يفترض هذا النموذج أن القرار لا ينشأ دائماً عن مشكلة تبحث عن حل، بل عن التقاء أربعة مسارات مستقلة: مشكلات تبحث عن اهتمام، وحلول جاهزة تبحث عمن يتبناها، ومشاركون تختلف اهتماماتهم وحضورهم، وفرص لاتخاذ القرار تظهر ثم تختفي. وعندما تتقاطع هذه المسارات، يتشكل القرار نتيجة هذا التقاطع، وليس نتيجة تحليل منهجي للمشكلة أو ترتيب واعٍ للأولويات؛ فيصبح الحل أحياناً سابقاً للمشكلة، أو تصبح فرصة اتخاذ القرار هي التي تحدد موضوعه أكثر من احتياجات المؤسسة الحقيقية.
تجلّي الظاهرة في الجامعات
تتجلى هذه الظاهرة بوضوح في الجامعات نظراً لتعدد مراكز صنع القرار فيها. فالإدارة العليا، والكليات، والعمادات، والمجالس الأكاديمية، والجهات التنظيمية، وأعضاء هيئة التدريس، والطلاب — لكل منهم أولوياته ومعاييره ومنظوره الخاص. ويزيد من تعقيد المشهد تداول القيادات، وضيق الوقت، وكثرة الاجتماعات، وتغير الأنظمة، مما يقصر نافذة اتخاذ القرار ويربطه أحياناً بأول فرصة متاحة بدلاً من أعلى أولوية مؤسسية. على سبيل المثال، قد تنشأ لجنة لمجرد أن هناك لجنة ينبغي أن تنشأ، أو تُعاد هيكلة برنامج أكاديمي لأن نموذجاً مماثلاً نجح في جامعة أخرى، أو يُوصى بإنشاء برنامج دراسات عليا قبل التحقق من الحاجة الفعلية إليه، أو تُطلق مبادرة رقمية لأن التمويل أصبح متاحاً لا لأن المشكلة الأكثر إلحاحاً تتطلبها. وقد تنشغل المجالس الأكاديمية بتفاصيل إجرائية بينما تبقى القضايا الاستراتيجية الكبرى دون حسم. في مثل هذه الحالات، لا يكمن الخلل في جودة المشاركين أو نواياهم، بل في غياب النظرة الشمولية التي تربط بين المشكلات والحلول والأولويات في إطار مؤسسي متكامل.
لا يعني ذلك أن الجامعات تُدار بعشوائية أو أن قراراتها تفتقر إلى الرشد، بل إن طبيعتها تجعل بيئة القرار أكثر تعقيداً من غيرها. فهي تجمع بين الاستقلال الأكاديمي، والإدارة التنفيذية، والبحث العلمي، والحوكمة، وخدمة المجتمع، في ظل أهداف متعددة، وأصحاب مصلحة متنوعين، وموارد محدودة، ومتغيرات متسارعة. لذلك قد تنجح بعض القرارات لأنها جاءت في توقيت مناسب، وليس بالضرورة لأنها كانت الخيار الأمثل. لكن نجاح القرار في ظرف معين لا يعكس بالضرورة جودة منظومة صنع القرار أو سلامة أولوياتها.
من الإطار التفسيري إلى المشكلة المؤسسية
يتحول هذا النمط من إطار يفسر طبيعة صنع القرار إلى مشكلة مؤسسية عندما يصبح القاعدة لا الاستثناء. عندئذ تفقد القرارات ترابطها الاستراتيجي، وتتحول الخطط إلى قوائم أمنيات، وتتزاحم المبادرات دون قياس أثرها، وتتكرر عمليات إعادة الهيكلة دون معالجة الأسباب الجذرية، وتتنافس المشروعات على الموارد بعيداً عن الأولويات المؤسسية. مع مرور الوقت، تنشغل الجامعة بإدارة الأنشطة بدلاً من إدارة النتائج، وبالاستجابة للفرص العابرة أكثر من صناعة مستقبلها، فتغرق في الجزئيات بينما تغيب عنها الصورة الكلية، ويصبح الانشغال بما هو عاجل على حساب ما هو مهم سمة ملازمة لصنع القرار.
الحوكمة في ظل رؤية 2030
واليوم، ومع انتقال الجامعات إلى مرحلة جديدة من الاستقلال المالي والمؤسسي في ظل رؤية المملكة 2030، أصبحت الحاجة إلى تطوير منظومة صنع القرار أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فالاستقلال لا يعني توسيع الصلاحيات فحسب، بل يعني أيضاً رفع جودة القرار، وربط الموارد بالنتائج، وتحقيق الاتساق بين الاستراتيجية والتنفيذ. وهنا تبرز الحوكمة المؤسسية باعتبارها الإطار الذي ينظم صناعة القرار، ويوضح المسؤوليات والصلاحيات، ويرتب الأولويات، ويضمن أن تكون القرارات مبنية على البيانات، ومتصلة بالأهداف، وخاضعة للمساءلة وقياس الأثر.
خلاصة القول، تكمن قيمة نموذج «سلة المهملات» في تنبيه القيادات الإدارية إلى أن جودة القرار لا تتحقق بكثرة المعلومات أو الاجتماعات، وإنما بقدرة المؤسسة على تحويل المعرفة إلى قرار في الوقت المناسب، وربط كل قرار بأولوياتها الاستراتيجية. فالجامعة التي تطمح إلى المنافسة عالمياً تحتاج إلى قيادة ترى الصورة الكلية قبل التفاصيل، وتضع الأولويات قبل الحلول، وتجعل كل قرار خطوة واعية نحو تحقيق رسالتها، حتى لا ينطبق عليها المثل الشعبي «على فطنة… وخذت الغنم».





