شارع عريض يقطع أبها ويثير جدلاً حول التخطيط العمراني

شوارع المدن ليست مجرد ممرات للعبور، بل هي شرايين حية تعكس تاريخ المكان وتطوره العمراني. وكما أن توسع الشرايين أو انسدادها في جسم الإنسان يسبب أمراضاً، فإن التغيرات في عرض الشوارع وكثافة السير تؤدي إلى اختناقات مرورية وتعطيل مصالح السكان. هذا ما يحدث بالضبط في أحد شوارع مدينة أبها، الذي أحدث تحولاً جذرياً في خارطتها المرورية وأثار تساؤلات عدة.
تحول في محور الحركة
أولى الوقائع الكبرى التي يثيرها هذا الشارع هي أنه نقل حركة المرور في المدينة من الاتجاه التاريخي (شمال-جنوب) إلى اتجاه معاكس، مما قضى على النمو العضوي الذي كانت تعيشه أبها. فمدينة أبها كانت تعتمد على طريق الملك فهد كشريان رئيسي، لكن هذا الشارع الجديد قلب البوصلة العمرانية وألغى الخارطة الذهنية التي تشكلت عبر عقود.
سعة غير مألوفة لمدينة جبلية
الشارع واسع بشكل لافت، خارج عن سياق شوارع المدينة الأخرى التي تتمتع بنسب ثابتة بين عرضها وارتفاع المباني المحيطة. في مدينة جبلية تضاريسية كأبها، تبدو هذه السعة غير مبررة. وعند التقاء هذا الشارع بطريق الحزام الدائري (شارع الملك عبدالعزيز) شمالاً وجنوباً، تضعف كثافة المرور بشكل ملحوظ، ويشعر المارة وكأنهم في مدينة منبسطة ممتدة، لا في مدينة جبلية لا تحتمل هذا الحجم من الشوارع.
تناقض الأنسنة مع طبيعة الشريان الإقليمي
تم تطبيق مفهوم الأنسنة على هذا الشارع، أي إضفاء لمسات جمالية وإنسانية كالرصف والإنارة والتشجير والمقاعد والمظلات لجذب الناس. لكن المشكلة أن هذا الشارع هو في الأساس شريان إقليمي سريع، لا يصلح لمشاريع الأنسنة. ولزيادة الطين بلة، تم اعتراضه عند تقاطعه مع مدخل حديقة الأندلس بممر مشاة مرتفع، مما يجبر السائقين على تخفيف السرعة أو التوقف، وهو تناقض صارخ بين ما أريد له أن يكون (شرياناً سريعاً) وما أصبح عليه فعلاً (مكاناً للمشاة).
طريق إقليمي يقطع المدينة إرباً
هذا الطريق الإقليمي يربط أقصى جنوب المملكة عبر عقبة ضلع، ويمتد شمالاً حتى أم الركب. وعندما تخترق الطرق الإقليمية المدن، فإنها تقطعها إلى أجزاء، وهذا ما فعله هذا الشارع بالشوارع المتجهة شرقاً وغرباً، وأبرزها طريق الملك فهد التاريخي. ولا يزال دوار القصبة، الذي ألغاه هذا الشارع، يعاني ازدحاماً شديداً حتى اليوم، ويحتاج إلى مقال مستقل.
لا يهدف هذا التحليل إلى التقليل من الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية – هيئة تطوير عسير، أمانة منطقة عسير، وإدارة المرور – لجعل أبها قبلة سياحية في المملكة والمنطقة. فافتتاح مشروع سفن أبها قبل أيام يؤكد هذه الجهود. لكن يبقى هذا الشارع نموذجاً للتناقض بين الطموح التخطيطي والواقع المروري.





