«إحسان» تتحول إلى مؤسسة وطنية تُعزز الأثر التنموي

بدأت المنصة الوطنية للعمل الخيري «إحسان» مسيرتها في عام 2021 بدعم وطني وتكليف للهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا» بإنشائها، وكان الهدف يتجاوز إنشاء قناة رقمية لاستقبال التبرعات لتشكيل نموذج جديد للعمل الخيري الرقمي يستند إلى التقنية والبيانات ويعزز الحوكمة والشفافية، ويربط المحسن بالفرصة والفرصة بالمشروع والمشروع بالمستفيد.
من التبرع إلى صناعة الأثر
كانت البداية نافذة أمل حقيقية وجد فيها المتبرعون مكانًا موثوقًا لعطائهم، بينما وجدت الجمعيات الأهلية قناة منظمة للوصول إلى فرص التمويل، وحصل المستفيدون على منظومة تسعى لإيصال الدعم بكفاءة تحافظ على الكرامة وتزيد من أثر العطاء. وتتحول القيمة الحقيقية لأي عمل خيري من مجرد مقدار ما يُجمع إلى ما يُحدثه هذا العطاء من إضافة، فالتبرع الذي يصل إلى مشروع صحي قد يعيد للمريض عافيته، والذي يذهب إلى مسكن قد يمنح أسرة الاستقرار، والذي يُوجه إلى التعليم قد يفتح أمام طالب طريقًا جديدًا في الحياة، والذي يدعم التمكين قد يساعد مستفيدًا على الانتقال من الاحتياج إلى الإنتاج. وبذلك يصبح المال الخيري إنفاقًا آنيًا يتحول إلى أثر قابل للامتداد.
التقنية في خدمة الإنسان وتمكين القطاع غير الربحي
أحد أوجه تميز تجربة «إحسان» هو وضع التقنية في خدمة غاية إنسانية نبيلة، إذ ليست التقنية هدفًا بحد ذاتها بل وسيلة لتسهيل التبرع وتنظيم الفرص وتحسين تجربة المتبرع ودعم الجهات غير الربحية وتعزيز الحوكمة والشفافية، ما يساعد على تعظيم أثر الموارد الموجهة للعمل الخيري. وكلما أصبحت رحلة التبرع أوضح وأسهل وأكثر موثوقية، ازدادت قدرة المجتمع على المشاركة في الخير، وتصبح الموارد الخيرية أكثر قدرة على الوصول إلى البرامج والمشروعات التي تحتاج إليها المجتمعات والمستفيدون.
الجمعيات: من الرعاية إلى التمكين والاستدامة
يمتد أثر «إحسان» إلى الجمعيات والمؤسسات الأهلية التي تمثل عماد القطاع الثالث، فحصول الجمعية على فرص تمويل منظمة لمشروعات واضحة الأهداف يجعلها أكثر قدرة على التخطيط والتنفيذ والتوسع، وتنتقل تدريجيًا من التعامل مع الاحتياج بوصفه حالة آنية إلى بناء برامج تنموية تعالج الاحتياج وتبحث عن أسبابه وسبل الحد منه. وهنا تظهر إحدى أهم ثمار التجربة: المساهمة في الانتقال من العمل الرعوي إلى العمل التنموي، فالتغطية تلبي الحاجة بينما التنمية تبني القدرة، والدعم العاجل يحمي الإنسان من الأزمة بينما التمكين يفتح أمامه فرصة جديدة، وبالتالي يصبح تمويل الجمعية استثمارًا في قدرتها على الاستمرار وتطوير خدماتها ورفع كفاءتها وتعظيم أثرها في المجتمع.
من المنصة إلى institution: مرحلة جديدة ورؤية المستقبل
في 20 أغسطس 2026 صدر أمر ملكي كريم بتحويل المنصة الوطنية للعمل الخيري «إحسان» إلى مؤسسة مستقلة غير هادفة للربح باسم «مؤسسة إحسان للعمل الخيري»، وليس هذا التحول مجرد تغيير في المسمى أو الصفة النظامية بل مرحلة جديدة من النضج المؤسسي، إذ استطاعت المنصة خلال سنواتها الماضية بناء الثقة وتوسيع قاعدة المتبرعين وتطوير نموذج العمل الخيري الرقمي وتمكين الجهات غير الربحية وتعظيم أثر التبرعات. وتدخل المؤسسة المرحلة المقبلة بصلاحيات أوسع ومرونة أكبر وقدرة أعلى على تحفيز الابتكار وتطوير خدمات «إحسان» ودعم البرامج والخدمات والمنصات غير الربحية المعنية بالتبرعات وتوحيد الجهود التقنية والفنية للعمل الخيري والتنموي، كما يمنحها هذا التحول قدرة أكبر على تعزيز الاستدامة والحوكمة ومواكبة المتغيرات والإسهام بالتنسيق مع الجهات الحكومية والخاصة في رفع كفاءة القطاع غير الربحي وتعزيز ثقافة العمل الإنساني والتطوع والتبرع والمسؤولية الاجتماعية، وهذا بالضبط ما يجعل التحول امتدادًا طبيعيًا لمسيرة «إحسان» وليس بداية جديدة لها.
إن أعظم ما يمكن أن تقاس به تجربة «إحسان» ليس فقط حجم الأموال التي مرت عبر المنصة بل حجم التغيير الذي أحدثته في حياة الناس، فجودة الحياة ليست مباني وطرقًا وخدمات فقط بل أيضًا مريض يجد العلاج وأسرة تجد shelter وطالب يجد فرصة للتعليم وشاب يجد فرصة للتمكين ومحتاج يجد من يقف معه ويحفظ كرامته. وعندما يتحول التبرع إلى خدمة والخدمة إلى تمكين والتمكين إلى استقرار وإنتاج يصبح العطاء أحد مكونات جودة الحياة، وهنا يلتقي العمل الخيري مع أهداف التنمية الوطنية لأن الإنسان هو المستفيد النهائي من كل منظومة تنموية ناجحة.
لقد بدأت «إحسان» بفكرة طموحة أن تجمع الخير في منصة واحدة، ثم نضجت التجربة لتصبح منظومة وطنية موثوقة للعمل الخيري الرقمي تقوم على الحوكمة والشفافية وتربط المحسن بالمشروع والجمعية بالممول والمستفيد بالأثر، واليوم تنتقل إلى مرحلة جديدة بوصفها مؤسسة مستقلة غير هادفة للربح. وبالتالي فإن سؤال مستقبل «إحسان» لا ينبغي أن يكون فقط كم ستجمع في السنوات القادمة بل الأهم: كم إنسانًا ستمكّن؟ وكم جمعية ستصبح أكثر استدامة؟ وكم مشروعًا سيتحول من فكرة إلى أثر؟ وكم قيمة اجتماعية واقتصادية ستضيفها إلى الوطن؟ فالتحول من التبرعات إلى مشروعات والمشروعات إلى تمكين والتمكين إلى إنتاج والإنتاج إلى قيمة مضافة يعني أننا لا نتحدث عن عمل خيري بالمعنى التقليدي فقط بل عن قوة تنموية تسهم في بناء مجتمع أكثر تكافلًا وقطاع غير ربحي أكثر كفاءة واقتصاد أكثر شمولًا، وهكذا تصبح «إحسان» أكثر من منصة وأكثر من قناة للتبرع، بل شريانًا يغذي القطاع الثالث وجسرًا يصل المحسن بالمستفيد وأداة لتحويل العطاء إلى أثر والأثر إلى تنمية والتنمية إلى جودة حياة.





