الرئيسيةمنوعاتصوت المتصل المتكرر: تأملات في حكاية...
منوعات

صوت المتصل المتكرر: تأملات في حكاية عابرة على أثير الراديو

09/06/2026 21:04

في يوم واحد، وعلى مسارات مختلفة من الحركة اليومية، تكررت كلمة واحدة في “راديو السيارة” ثلاث مرات، كل مرة في برنامج إذاعي منفصل. النبرة، الأسلوب، وحتى المفردات لم تتغير. في النداء الأول كان الصوت عابرًا، ثم ظهر الاستغراب في النداء الثاني، أما النداء الثالث فكان اعترافًا صريحًا من المتصل نفسه كأنه يرفع يده قائلاً: “نعم، أنا هو”. عندها تحول السؤال من “هل هو نفسه؟” إلى “من هو هذا الشخص ولماذا يفعل ذلك؟”.

من عابر إلى مادة إنسانية

هنا تبدأ متعة الكتابة، حين يتحول موقف عابر في زحمة المشاوير إلى مادة غنية تستحق التأمل من عدة زوايا، دون الحاجة إلى حكم سريع أو اختزال المعنى. الكتابة بطبيعتها لا تميل إلى الأحكام الجاهزة، بل تدور حول الفكرة وتستكشف دوافعها.

الدوافع خلف المكالمة المتكررة

ليس ما قيل هو المهم بقدر ما يهم السبب وراء قوله. المتصل المتكرر يمكن رؤيته من عدة مناظير. قد يكون رجلاً وحيدًا لا يستطيع البقاء مع نفسه طويلاً، ولا يجد من يسأله “كيف حالك؟” فيلجأ إلى الإذاعة لتأكيد وجوده، فالصوت يصبح تعويضًا عن العزلة وليس مجرد ترف. أو قد يكون مثقفًا أغرقته الأفكار حتى ضاقت به المساحات، قارئًا نهمًا لا يجد جمهورًا يشارك معه انبهاره أو اعتراضه، فالإذاعة تمنحه دقيقة لتفريغ جزء من ثقله الفكري.

الثرثار كحالة أخرى

هناك احتمال آخر أقل شاعريةً لكنه واقعي: المتصل قد يكون ثرثارًا يظن نفسه خبيرًا في كل شيء، يرى في كل موضوع فرصة لإثبات حضوره، ويعاني من صمت لا يتحمله. الكلام الزائد قد يكون في كثير من الأحيان وسيلة غير واعية لتعويض نقص أعمق في الاستماع أو الاعتراف أو الشعور بالقيمة.

ما يبرز القصة حقًا

المثير ليس المتصل بحد ذاته، بل قدرتنا على التعايش مع الأصوات المختلفة، مع من يكرر نفسه، ومع من لا يشبهنا. الحياة ليست حفلًا انتقائيًا نختار ضيوفه بعناية، بل شارعًا طويلًا يمر فيه شخصيات متنوعة، بعضها عابر وبعضها يترك أثرًا لا يُنسى. هذا الصوت المتكرر يضيف لمسة عفوية إلى البث، يكسر رتابة البرامج، ويذكرنا بأن وراء كل مكالمة إنسان حقيقي، لا مجرد فقرات معدة سلفًا.

في الختام، لا يهم إن كان المتصل وحيدًا يائسًا، أو مثقفًا مكبوتًا، أو مدعي معرفة ثرثارًا. ما يهم هو مشاركته في المشهد وسدّه لفراغ صغير في يوم طويل. وجوده ليس عبئًا، بل لمسة إنسانية خفيفة تذكرنا بأن الحياة لا تُدار بالكمال بل بالاختلاف، وأن الأنس قد يأتي من أصوات لا نعرف أصحابها، لكنها تصل في اللحظة المناسبة وتُحدث تأثيرًا بسيطًا يدفعنا إلى التفكير والابتسامة دون سبب واضح.