الرئيسيةكتاب و آراءإستير دوفلو تطرح مفهوم «الدين الأخلاقي»:...
كتاب و آراء

إستير دوفلو تطرح مفهوم «الدين الأخلاقي»: 500 مليار دولار سنوياً على الأثرياء لتعويض الفقراء عن التغير المناخي

21/05/2026 01:02

قرأت مؤخراً في صحيفة Financial Times مقابلة مع البروفيسورة إستير دوفلو، الحائزة على جائزة نوبل في العلوم الاقتصادية لعام 2019 بالتقاسم مع أبهيجيت بانيرجي ومايكل كريمر، تقديراً لأعمالهم في تطوير المنهج التجريبي للتخفيف من حدة الفقر العالمي. ومن الجدير بالذكر أن دوفلو وبانيرجي هما المؤسسان لمعمل عبد اللطيف جميل للتطبيقات العلمية لمكافحة الفقر عام 2003 في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، مما يمنح أفكارهما ثقلاً أكاديمياً وميدانياً في الوقت نفسه.

مفهوم مبتكر: من يلوث يدين لمن يتضرر

خلال المقابلة، طرحت دوفلو مفهوماً اقتصادياً مبتكراً يثير جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية والاقتصادية والسياسية؛ أطلقت عليه اسم «الدين الأخلاقي». يقوم هذا المفهوم على فكرة أن أثرياء العالم، لا سيما في الدول الأكثر تطوراً، يتحملون مديونية حقيقية تجاه المجتمعات الأشد فقراً، مصدرها نمط استهلاكهم وما ينجم عنه من انبعاثات كربونية تلقي بتبعاتها على كاهل الفقراء أولاً وأخيراً.

المنهجية الحسابية: الوفيات وحرارة الكوكب

ولمساعدة القارئ على تقييم هذه الفرضية، لا بد من استعراض المنهجية الحسابية التي اعتمدتها دوفلو. يرتكز المقترح على مؤشر محوري هو معدل الوفيات، إذ يعتبره الباحثون من أعظم التكاليف القابلة للقياس لأنه يثمن ما لا يقدر بثمن: حياة الإنسان. حيث يواجه الأفراد الأشد فقراً معادلة مزدوجة القسوة في مواجهة التغير المناخي؛ فهم يسكنون المناطق الأعلى درجة حرارة على وجه الأرض، ويفتقرون في الوقت نفسه إلى الموارد اللازمة للتكيف مع آثاره.

وتشير الدراسات، مع تفاقم المخاطر المتعلقة بتغير المناخ، إلى أن التغير المناخي قد يتسبب في وفاة ستة ملايين شخص سنوياً حتى عام 2100، وستكون الدول الأقل نمواً الضحية الأكبر. وعند النظر إلى مسببات معظم الآثار المرتبطة بالتغير المناخي نجدها، بحسب ما خلصت إليه دوفلو، نتيجة للصناعات والنشاطات التي تُمارس في الدول الأكثر نمواً ونهضة.

تقوم آلية الحساب على ثلاثة مؤشرات مترابطة: تكلفة الطن الواحد من انبعاثات الكربون، مضروبة في أثر ارتفاع درجات الحرارة على معدل الوفيات، ومضروبة بدورها في قيمة حياة الفرد إحصائياً. وقد خلص باحثو جامعة شيكاغو إلى أن تكلفة الطن الواحد تعادل 37 دولاراً، وأن الكميات المنبعثة سنوياً تقارب 14 مليار طن، وهو ما يفضي، عند تطبيق المعادلة، إلى رقم يبلغ نحو 500 مليار دولار سنوياً، هو الحجم الإجمالي للدين الأخلاقي الذي يتحمله الأثرياء والدول المتقدمة.

مساران ماليان لسداد الدين الأخلاقي

ولم تكتف دوفلو بتشخيص المشكلة وتحديد حجمها، بل اقترحت مسارين ماليين لسداد هذا الدين. يتعلق الأول بالضرائب على المؤسسات؛ إذ أقر الحد الأدنى العالمي لضرائب الشركات عند 15%، في حين كان المقترح الأصلي 25%. وعند رفع هذه النسبة بمقدار ثلاث نقاط مئوية لتبلغ 18% نحصل على 200 مليار دولار إضافية سنوياً. أما المسار الثاني فيتعلق بالثروات الكبرى؛ وقد طرح خلال إحدى دورات مجموعة العشرين (G20) مقترح لفرض ضريبة بنسبة 2% على ثروات نحو ثلاثة آلاف ملياردير حول العالم، مما سيوفر 300 مليار دولار إضافية. وعند جمع المسارين معاً نصل إلى 500 مليار دولار التي حددتها دوفلو حجماً للدين بالضبط.

الزكاة: نموذج راسخ يجسد المبدأ نفسه

وقبل أن يستغرق العالم في البحث عن آليات جديدة لسداد هذا الدين، ثمة نموذج راسخ في تراث الاقتصاد الإسلامي يستحق الوقوف عنده مقارنة وتأملاً؛ إنها الزكاة، ثالث أركان الإسلام، التي تلزم أصحاب الأموال بتخصيص 2.5% من ثرواتهم لصالح الفقراء والمحتاجين. والمفارقة اللافتة أن ما يُقدم اليوم باعتباره مفهوماً اقتصادياً حديثاً يجد صدى عميقاً في هذه الفريضة العريقة، من حيث إنها ترسخ مبدأ أن الثروة تحمل في طياتها مسؤولية اجتماعية لا تقبل التأجيل.

تتقاطع الزكاة مع مفهوم الدين الأخلاقي من زوايا متعددة؛ فهي تسهم في تضييق الفجوة بين الأغنياء والفقراء وتعزيز التماسك المجتمعي، وكثيراً ما تُوجه مواردها نحو تمويل التعليم والصحة والبنية التحتية. وفي سياق التغير المناخي تحديداً، يمكن تخصيص جزء منها لدعم المبادرات البيئية في المجتمعات الأشد تأثراً، مما يجعل الزكاة أداة فعلية لإطفاء جزء من ذلك الدين. والأهم أن هذا ليس مجرد طرح نظري؛ فوفقاً للتقرير السنوي السابع للعمل الخيري الإسلامي الصادر عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، تجاوزت مساهمات صندوق الزكاة للاجئين عام (2024) 14 مليون دولار، استفاد منها نحو نصف مليون لاجئ في 22 دولة. هذا المثال الحي يثبت أن توجيه موارد الزكاة نحو أهداف بعينها – كالتكيف المناخي – أمر قائم وقابل للتوسع.

يبقى التحدي الأكبر أمام مفهوم الدين الأخلاقي في وجهين متلازمين: الأول هو قابلية التطبيق، من خلال بناء الأطر التشريعية والمؤسسية الكفيلة بترجمته إلى التزامات نافذة. والثاني هو المصداقية العلمية في قياس الأثر، للتحقق بصرامة من أن الأموال المجمعة تحدث فرقاً حقيقياً في حياة مستحقيها. غير أن ما يمنح هذا الطرح قوته الحقيقية هو أنه ليس اختراعاً بلا جذور؛ إنه إعادة اكتشاف لمبدأ قديم تعبر عنه الزكاة بلغة الفريضة، ويعبر عنه الاقتصاد الحديث بلغة الأرقام: من يلوث يدين لمن يتضرر، والدين – أخلاقياً كان أم مالياً – لا يسقط بالتقادم.