الرئيسيةاقتصادمحمد بن سلمان يعتمد تعاوناً معدنياً...
اقتصاد

محمد بن سلمان يعتمد تعاوناً معدنياً مع كازاخستان بعد كشف موارد اليورانيوم في جبل صايد

21/09/2026 07:02

لم يكن قرار مجلس الوزراء السعودي الصادر في 15 سبتمبر مجرد بند عابر في جدول أعماله، إذ تحمل أبعاداً سياسية واقتصادية واضحة تعكس توجه المملكة إلى التعامل مع المعادن بوصفها إحدى لغات النفوذ والتنمية في المرحلة المقبلة. فقد أقرّ المجلس، برئاسة الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، مذكرة تفاهم بين وزارة الصناعة والثروة المعدنية السعودية ووزارة الصناعة والبناء في كازاخستان، تغطي مجالات الثروة المعدنية.

أكثر من مجرد موافقة إدارية

ثمة دقة لافتة في طبيعة هذا القرار، فهو لا يعني أن الرياض استحوذت على منجم كازاخستاني، ولا أنها أبرمت استثماراً بمبلغ محدد، بل يعتمد إطاراً رسمياً للتعاون بين البلدين. غير أن الأهمية تكمن في كونه يفتح الطريق أمام ما هو أعمق من صفقة منفردة، إذ يشمل تبادل الخبرات، وتطوير أعمال الاستكشاف، وبحث فرص شراكة في المعادن الحرجة، وربط الموارد بعمليات المعالجة والتصنيع وسلاسل الإمداد، وهي في اقتصاد المعادن الحديث جوهر القيمة الحقيقية.

إعلان جيولوجي يسبق القرار بيوم

ما يزيد من دلالة قرار 15 سبتمبر أنه جاء بعد يوم واحد فقط من إعلان سعودي ذي ثقل كبير. ففي 14 سبتمبر، كشفت المملكة عن موارد تقديرية تتراوح بين 110 و114 مليون طن من الخام في مشروع جبل صايد الواقع بمنطقة المدينة المنورة، وتتضمن تركيزات مرتفعة من العناصر الأرضية النادرة، لا سيما الثقيلة منها، إضافة إلى تركيزات واعدة من اليورانيوم. وبتعبير أدق، لم تكشف الرياض عن كنز معدّ للبيع، بل عن قاعدة جيولوجية قادرة، بالاستثمار والتقنية والتنظيم، على التحول إلى صناعة متكاملة.

من المنجم إلى سلسلة القيمة

هنا تظهر المقاربة التي تعتمدها السعودية؛ فهي لا تنظر إلى اليورانيوم بوصفه مادة تُستخرج من الأرض ثم تغادرها في شكل خام، بل يمتد المسار المعلن من الاستكشاف والتعدين إلى المعالجة والفصل والتكرير وإنتاج الكعكة الصفراء. كما تعمل المملكة على استرداد اليورانيوم المصاحب لحمض الفوسفوريك الناتج من صناعة الأسمدة، وهي صناعة تمنحها موقعاً متقدماً؛ إذ تصفها تغطيات متخصصة بأنها ثاني أكبر مصدر عالمي لأسمدة الفوسفات. ولا تتوقف الجهود عند ذلك، فهناك مبادرات لمسح الغطاء الرسوبي بحثاً عن خامات يورانيوم إضافية من المصادر التقليدية.

هذا التفكير يعيد تشكيل المعادلة الاقتصادية، فالقيمة لم تعد تحدَّد بحجم الخام وحده، بل بنسبة ما تستطيع المملكة إبقاءه داخل اقتصادها من أعمال هندسية، وخدمات جيولوجية، وتقنيات فصل، ومراكز أبحاث، ومصانع تحويل، ووظائف عالية المهارة. فكل طن لا يُصدَّر في صورته الأولية يمكن أن يتحول إلى سلسلة من القيمة المضافة، وكل شراكة تقنية ناجحة تسهم في خفض الاعتماد على الخارج في مرحلة حساسة من دورة المعادن.

كازاخستان شريك منطقي وليس مجرد اسم

من هذه الزاوية، تظهر كازاخستان شريكاً طبيعياً وليس مجرد اسم على مذكرة. فهي دولة تمتلك قاعدة معدنية واسعة وخبرة طويلة في مجال التعدين، في حين تملك السعودية طاقة تنافسية، وبنية تحتية متقدمة، وموقعاً جغرافياً يربط آسيا بأوروبا وأفريقيا، وقدرة متنامية على تمويل المشروعات الصناعية الكبرى. والجمع بين هذه المزايا قد يصنع ممراً اقتصادياً معدنياً يبدأ من الاستكشاف ولا يتوقف عند حدود المنجم، بل يصل إلى المعالجة والتصنيع والتجارة العالمية. غير أن تحويل هذا الإطار إلى مشروعات ملموسة سيحتاج بطبيعة الحال إلى دراسات جدوى، واتفاقات تنفيذية، وتخصيصات استثمارية تُعلن في حينها.

وقد التقطت منصات عالمية مغزى التحرك السعودي. فأبرزت وكالة رويترز في 14 سبتمبر حجم الخام المحتوي على تركيزات من اليورانيوم في المدينة المنورة، ووسّعت صحيفة ذا ناشونال زاوية التغطية لربط الاكتشاف بمسار الطاقة النووية والشراكات الصناعية، فيما عرضت النسخة الإنجليزية من الشرق الأوسط المسارات الثلاثة لاستكشاف الموارد وبناء سلسلة قيمة محلية. أما قرار مجلس الوزراء في 15 سبتمبر فأكدته وكالة الأنباء السعودية ونقلته منصات اقتصادية عربية، وتكمن دلالته العالمية في أنه يحوّل الطموح المعدني من خطاب استراتيجي إلى شبكة تعاون مؤسسية قابلة للبناء.

الأهم أن السعودية لا تتصرف بمنطق البحث عن بديل للنفط، بل بمنطق توسيع تعريف القوة الاقتصادية. فالنفط منح المملكة وزناً في أسواق الطاقة، بينما المعادن الحرجة واليورانيوم والعناصر الأرضية النادرة قد تمنحها وزناً جديداً في التكنولوجيا والصناعة وأمن الإمدادات. وبين إعلان جيولوجي في 14 سبتمبر وقرار تعاون دولي في 15 سبتمبر، ترسم الرياض ملامح اقتصاد يستند إلى إدراك أن الثروة لا تكمن وحسب فيما تحت الأرض، بل فيما تستطيع العقول والمؤسسات تحويله إلى معرفة وصناعة وتأثير.

هذا هو الفصل الجديد الذي يفتحه الأمير محمد بن سلمان؛ فالسعودية لا تكتفي بأن تكون أرضاً غنية بالموارد، بل تسعى إلى أن تصبح منصة عالمية تلتقي فيها الجيولوجيا برأس المال، والتقنية بالسياسة، والطموح الصناعي بحسابات الاقتصاد الدولي. وليست هذه مبالغة في وصف اللحظة، بل قراءة هادئة لبلد بدأ يتعامل مع باطن الأرض باعتباره نقطة انطلاق لا نقطة نهاية.