الرئيسيةعربي و عالمينوربرت فينر: الأب المنسي للذكاء الاصطناعي...
عربي و عالمي

نوربرت فينر: الأب المنسي للذكاء الاصطناعي الذي حذّر من مخاطر الأتمتة

02/08/2026 13:03

في روايات نشأة الذكاء الاصطناعي، يبرز اسم آلان تورينغ وآلته الحاسبة، ثم جون فون نيومان بصفته الأب الفكري للحواسيب القابلة للبرمجة، وأحياناً مجموعة مؤتمر دارتموث مثل جون مكارثي ومارفن مينسكي. لكن شخصية أخرى لا تقل عبقرية تبقى في الظل: نوربرت فينر، مؤسس علم السيبرانية في أربعينيات القرن العشرين.

يطرح كثيرون اليوم سؤالاً عن استحقاق فينر لمكانة بين الآباء المؤسسين للذكاء الاصطناعي الحديث، إلى جانب تورينغ وفون نيومان. وتستعرض هذه المقالة المسيرة غير المعروفة لهذا الرياضي العبقري الذي كان من أوائل المحذرين من أخطار أتمتة المجتمع.

طفولة معجزة ومسيرة أكاديمية مبكرة

وُلد نوربرت فينر في 26 نوفمبر 1894 في مدينة كولومبيا بولاية ميزوري الأمريكية، في أسرة يهودية مهاجرة من أوروبا. والده ليو فينر، أستاذ اللغات السلافية من أصل ليتواني، كان شديد الصرامة، وفقاً للفيلسوف بيير كاسو-نوغيس، الأستاذ في جامعة باريس 8 ومؤلف كتاب “أحلام نوربرت فينر السيبرانية”. ويضيف كاسو-نوغيس أن الأب تعامل مع ابنه “كما لو كان مشروعاً شخصياً، محاولاً تشكيله على صورته”، وفق ما يرويه فينر نفسه في سيرته الذاتية.

ويصف ماتيو تريكلو، المتخصص في تاريخ التكنولوجيا بجامعة بلفور مونتبليار للتكنولوجيا، فينر بأنه “طفل معجزة في العلوم، متأثراً بوالده”. فقد تعلم القراءة قبل سن الرابعة، وحصل على ما يعادل شهادة الثانوية العامة في الحادية عشرة، ونال جائزة في الرياضيات في الرابعة عشرة، ثم حصل على الدكتوراه في الرياضيات من جامعة هارفارد في الثامنة عشرة. بعد سنوات قليلة، عيّنه معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) أستاذاً، ليصبح أحد أصغر الأساتذة في تاريخه.

السيبرانية: علم التحكم والتواصل بين الإنسان والآلة

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، طور فينر أفكاره التي أثرت في مجالات عدة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، مثل الروبوتات وأنظمة التحكم الآلي والأنظمة متعددة الوكلاء، وفقاً لفيليب ماتيو، المتخصص في الذكاء الاصطناعي بجامعة ليل. ففي عام 1943، نشر فينر مقالاً تأسيسياً للسيبرانية، ثم عرضها بالتفصيل في كتابه “السيبرانية: التحكم والتواصل في الكائنات الحية والآلات” الصادر عام 1948. ويشرح بيير كاسو-نوغيس أن السيبرانية تدرس “ظواهر التحكم ونقل المعلومات بالطريقة نفسها لدى الإنسان والحيوان والآلة”.

بمعنى آخر، رأى فينر وأنصار السيبرانية أنه يمكن إقامة تشابه بين طريقة معالجة الدماغ البشري للمعلومات وطريقة معالجة الآلات للبيانات. وخلال الحرب العالمية الثانية، ألهمت هذه المبادئ فينر لتطوير نظام دفاع جوي مضاد للطائرات قادر على التكيف في الزمن الحقيقي مع حركة الصواريخ والطائرات، وأن يتعلم من أخطائه، وهو ما يُعد من أولى بدايات التعلم الآلي.

ويوضح فيليب ماتيو أن “الفكرة الجوهرية في السيبرانية تمثل في فهم كيفية تكيف الكيان مع بيئته ومع المعلومات المتاحة له. فالذكاء يُنظر إليه بوصفه نتيجة للتفاعل بين الكائن – سواء كان حياً أو غير حي – وبين محيطه”. أما رودولف زايسينغ، المتخصص في تاريخ العلوم والتكنولوجيا بالمتحف الألماني في ميونيخ، فيصف السيبرانية بأنها “علم شامل يجمع بين الرياضيات والهندسة والمنطق والفيزياء، فضلاً عن علم النفس والعلوم الاجتماعية”. ربما يفسر هذا الطابع متعدد التخصصات سبب اقتصار ذكر فينر في تاريخ الذكاء الاصطناعي مقارنة بتورينغ أو فون نيومان، اللذين كان تأثيرهما أكثر مباشرة في الحوسبة.

تأثير غير مباشر لكنه بالغ الأهمية

يرى ماتيو تريكلو أن التأثير غير المباشر للسيبرانية على الذكاء الاصطناعي كان بالغ الأهمية. فبين عامي 1946 و1953، جمعت “مؤتمرات ماسي” نخبة من العلماء المهتمين بأفكار فينر، وشارك فيها أسماء بارزة مثل جون فون نيومان وكلود شانون، الذين كانوا يعدون أنفسهم من أنصار السيبرانية. وكان من مؤسسي هذه المؤتمرات عالم النفس جوزيف كارل روبنيت ليكلايدر، الذي يصفه تريكلو بأنه “إحدى الشخصيات المحورية في تاريخ المعلوماتية الأمريكية”. تولى ليكلايدر لاحقاً إدارة وكالة مشاريع البحوث الدفاعية المتقدمة الأمريكية (داربا)، حيث “لعب دوراً أساسياً في تمويل وتطوير شبكة الإنترنت، كما اهتم في ستينيات القرن الماضي بتطوير تقنيات التفاعل بين الإنسان والآلة”.

وفي معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، أشرف فينر على أعمال الباحث والتر بيتس، الذي وضع إلى جانب وارن ماكولوتش الأسس الأولى لنماذج الشبكات العصبية الاصطناعية في أربعينيات القرن الماضي. وهذه الأعمال التي انبثقت من السيبرانية أساسية لفهم النماذج اللغوية الكبرى المستخدمة اليوم. فإذا كانت السيبرانية نفسها أصبحت جزءاً من تاريخ العلوم، فإنها مهدت الطريق لظهور الشبكات العصبية، ومنها نشأ التيار المعروف بـ”الاتجاه الترابطي” (connexionniste) الذي يشكل القلب النابض للذكاء الاصطناعي الحديث، بما في ذلك تطبيقات مثل “تشات جي بي تي” و”كلود”.

تحذيرات مبكرة من مخاطر الأتمتة

لم يقتصر إسهام فينر على توفير البيئة الفكرية التي نشأ فيها الذكاء الاصطناعي، بل كان أيضاً من أوائل المحذرين من مخاطره، وفقاً لبيير كاسو-نوغيس. فهذا الرياضي المعروف بطباعه الحادة ونوبات غضبه الشهيرة أدرك مبكراً الأخطار التي قد تنجم عن بعض الأبحاث العلمية، ورفض المشاركة في مشروع مانهاتن الذي أفضى إلى تطوير أول قنبلة ذرية. وبعد قصف هيروشيما وناغازاكي، نشر فينر رسالة مفتوحة شهيرة أعلن فيها عزمه “التخلي عن الرياضيات بعدما أدرك أن أبحاثه قد تستخدم في تطوير أسلحة دمار شامل”، بحسب كاسو-نوغيس، وقد حظيت هذه الخطوة بدعم ألبرت أينشتاين.

منذ عام 1948، رأى فينر إمكانية قيام مجتمع يعتمد بالكامل تقريباً على الأتمتة، ورأى أن هذه التطورات قد تقود البشرية إما إلى عالم يتحرر فيه الإنسان من عبء العمل، أو إلى جحيم اجتماعي تسوده البطالة الجماعية، كما يوضح كاسو-نوغيس. وخلص إلى أنه لا ينبغي له التخلي عن أبحاثه، بل مواصلة العمل للتأثير في مسار هذا المجال.

وكان فينر، الذي صنف في كثير من الأحيان ضمن التيار اليساري واشتبهت السلطات الأمريكية خلال الحرب الباردة في تعاطفه مع المعسكر السوفييتي، من أوائل من حذروا من التداعيات الاجتماعية لظهور الآلات. وفي هذا السياق، يرى ماتيو تريكلو أن “السيبرانية مشروع سياسي بامتياز، تحركه أيضاً مخاوف من بطالة تكنولوجية قد تسببها الآلات التي تحل محل العمال”. ويضيف أن “المثير للدهشة هو قراءة هذه الأفكار منذ عام 1947، في وقت كانت فيه الحواسيب لا تزال نادرة للغاية”.

لكن في نظر فينر، هذا الخطر لن يتحقق إلا “إذا وقعنا في الاستخدام اللاإنساني للبشر”، كما يوضح تريكلو. وبعبارة أخرى، يعتقد فينر أن الروبوتات لا يمكنها أن تحل محل البشر، إلا إذا اختزلنا البشر إلى مجرد روبوتات من خلال إنكار كل ما يميز بين البشر والآلة. ورغم أن مصطلح “السيبرانية” لم يعد متداولاً اليوم كما كان في الماضي، فإن أفكار مؤسسها تبدو أكثر ملاءمة لعصرنا من أي وقت مضى، في ظل لجوء شركات كثيرة إلى الترويج لانتصار الذكاء الاصطناعي لتبرير موجات تسريح الموظفين.