الرئيسيةعربي و عالمياللغة وسلاح السيادة: بين التاريخ والحاضر...
عربي و عالمي

اللغة وسلاح السيادة: بين التاريخ والحاضر العربي

04/06/2026 01:01

إن اللغة ليست مجرد ما تُنطق به الدولة، بل ما تُفكّر به؛ فهي الذاكرة عندما تتحول إلى نظام، والهوية حين تُمارس، والسيادة حين تُعطي صوتها الحقيقي. لا تتفوق اللغات العظمى في سجل التاريخ بوفرة مفرداتها فحسب، بل بما تحمله من نفوذ ورؤية ومصالح استراتيجية. ومن ينجح في نشر لغته وتوطينها لا يقتصر على توسيع قاموسه المعرفي، بل يوسّع طريقته في تفسير العالم ويفرض سرديته على الآخرين.

الدور التاريخي للغات في بناء السلطة

لم تغفل القوى العظمى عبر العصور عن هذا السلاح الناعم. عندما أسس الكاردينال ريشيليو الأكاديمية الفرنسية في عام 1635، أدرك أن حماية اللغة وضبطها يمثلان أساساً مبكراً لأركان السلطة. وعندما أرسل نابليون جيوشه لغزو أوروبا، سارت اللغة الفرنسية جنباً إلى جنب مع العتاد العسكري، فبعد انسحاب الجيوش بقيت اللغة راسخة في عمق النخب.

في عام 1934، أسس البريطانيون مجلسهم الثقافي ليس لتشييد مكتبات عامة، بل لتشكيل ولاءات فكرية ممتدة. أما الولايات المتحدة فقد جعلت لغتها تتنقل عبر القارات عبر السينما، التقنية، والجامعات، لتستقر الإنجليزية في الأذهان كمرادف للحداثة والفرص المستقبلية.

النموذج الصيني والانتشار الثقافي

تتولى الصين اليوم تشغيل مئات «معاهد كونفوشيوس» حول العالم بإنفاق استثماري ضخم، وهو ما يُظهر صبغة ذكية للنفوذ وتوسيع الهيمنة الثقافية.

العربية بين الصعود والهبوط التاريخي

كانت العربية يوماً ما في موقع القيادة لا الدفاع؛ ففي القرن العاشر الميلادي، كتب العلم والطب بلسان الضاد، وكانت حواضر أوروبا تترجم من العربية لا إليها. لا يُقصد من هذا الاستدعاء نكوصاً عاطفياً أو حزنًا على الأطلال، بل هو دليل تاريخي على أن للغات دورات صعود وهبوط ترتبط بقدرة أصحابها على إنتاج المعرفة واستثمارها. النهوض ممكن متى ما تضافرت الرؤية مع الإرادة المؤسسية.

من هنا تبرز الأهمية البالغة للسياسة الوطنية للغة العربية في المملكة، بقيادة مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية، ليس كاحتفاء تراثي عابر، بل كمشروع سيادي يدمج العربية حية في مفاصل التعليم، الإعلام، الذكاء الاصطناعي، وبيئات الأعمال المعاصرة.

التفاصيل الدقيقة واختبار السياسات العظيمة

تُختبر السياسات العظيمة دائماً في التفاصيل الصغيرة واليومية؛ في اسم المبادرة، لغة الاجتماع الإداري، واجهة المنصة الرقمية، وهوية المؤتمرات الوطنية. كل تنازل لغوي غير مبرر قد يبدو مجرد تفصيل شكلي، لكنه في الواقع يخصم من الرصيد الرمزي والسيادي للدولة.

إن الدعوة إلى تعزيز العربية لا تعني صراعاً مع اللغات العالمية؛ فالإنجليزية وغيرها جسر حيوي للعبور المعرفي واكتساب العلوم، لكنها جسور للعبور لا للإقامة. نتحدث إلى العالم بلغته حين تقتضي المصلحة، لكننا لا نخاطب ذواتنا بلسان مستعار.

على المسؤولين اليوم أن يدركوا أن اللغة ركيزة أساسية في منظومة الأمن الوطني الناعم؛ فالدول التي تملك زمام لسانها تحافظ على سلامة سرديتها، ومن يملك سرديته يملك مكانه الفريد والطليعي في هذا العالم.