حارس ذاكرة دير الزور.. عدسة سليمان تستعيد حنين العودة

ذاكرة الفرات وتوثيق الحياة التقليدية
منذ ما يقرب من خمسين سنة، يحمل المصور السوري جمعة سليمان كاميرا لتسجيل ملامح مدينة دير الزور شرقي سوريا. يتنقل بعدسته بين ضفاف نهر الفرات وما يحيط بها من طبيعة وأشجار، ثم ينتقل إلى تفاصيل الحياة التقليدية والحرف اليدوية والأسواق القديمة. بدأ رحلته عام 1970 عندما كان في الثانية عشرة من عمره، بعد أن اشترى آلة تصوير بسيطة. ركز في بداية مسيرته على الجوانب الطبيعية للنهر والقرى المحيطة، ثم وسع عمله ليشمل الحياة الاجتماعية والثقافية للمدينة.
أوضح سليمان أن نهر الفرات كان الأكثر تأثيراً عليه خلال طفولته وشبابه، حيث كان الناس يتجمعون على ضفافه في الربيع وتأسره الأشجار والحياة من حوله والتقاليد والأسواق القديمة أنظاره. كان هدفه تصوير كل ما هو جميل، لا سيما المهن التقليدية والحرف اليدوية ونمط الحياة الذي كان سائداً في المدينة.
مع مرور الوقت، حرص على حفظ السالبيات (الشرائط) التي التقطها طوال عقود، وبعد انتشار التصوير الملون اقتنى أجهزة جديدة لكنه ظل يحتفظ بالصور بالأبيض والأسود والألوان من سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، معتبراً إياها ذاكرة حقبة كاملة. منذ ثمانينيات القرن الماضي، توجه تركيزه إلى توثيق الأسواق التاريخية والمهن التقليدية والفعاليات الثقافية والمهرجانات.
أشار إلى أن أرشيفه يضم صوراً لفعاليات ثقافية عديدة في دير الزور قبل عام 2011، أي قبل اندلاع الاحتجاجات الشعبية ضد نظام بشار الأسد في مارس/ آذار من ذلك العام. ومع انتقاله إلى الكاميرات الرقمية في العقد الأول من القرن الحالي، استطاع باستخدام عدسات بعيدة المدى التقاط صور للطيور والحياة الطبيعية على ضفاف الفرات، ومن بينها طائر مالك الحزين على مسافة مئات الأمتار.
مدينة من الركام بعد الحرب
وصف سليمان الفترة التي سبقت النزاع بأنها الأكثر ازدهاراً لدير الزور، إذ نظم في عامي 2011 و2012 معارض للصور في المدينة وفي دمشق عرض خلالها جمال دير الزور الطبيعي والتاريخي. عبر الزوار عن اندهاشهم من ثراء المدينة، وأعرب كثيرون عن إعجابهم بما رأوه في الصور.
مع اندلاع الحرب في سوريا (2011‑2024)، دمر قسم كبير من الأحياء التاريخية التي أمضى سليمان سنوات في تصويرها. بين المناطق المتضررة الحميدية والشيخ ياسين والأسواق القديمة، حيث تحولت الأماكن التي كانت تشكل هوية المدينة إلى أطلال. وصف المشهد الذي شاهده بعد الحرب بأنه “مدينة من الركام”، مؤكداً أن الدمار مسّ الأماكن التي تحمل ذكريات السكان.
عودة الحياة وتوثيق إعادة الإعمار
منذ عام 2017 بدأ سليمان تصوير دمار دير الزور، ثم شرع في توثيق عملية إعادة الإعمار بنفس العزيمة. وفي 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، أطاحت فصائل سورية بنظام بشار الأسد الذي حكم البلاد منذ عام 2000 بعد وراثته عن والده حافظ الأسد.
لإظهار عودة الحياة إلى دير الزور، استمر في تصوير الأسواق والشوارع والمواقع التاريخية، مسجلاً استئناف الحركة التجارية واليومية تدريجياً في مناطق كانت مدمرة بالكامل. كان الناس يسألون عما يبقى في دير الزور لتصوّر، لكنني كنت أؤمن بأن الحياة ستعود.
مع مرور الوقت، فتحت المتاجر، وعادت الحركة إلى الشوارع، وأضيئت الأنوار، ووثق كل ذلك. شدد على أن صوره منحت كثيراً من أبناء دير الزور المقيمين خارج البلاد أملاً بشأن مدينتهم، وأن بعضهم تواصل معه وأخبره بأن الصور عززت لديهم فكرة العودة إلى دير الزور.
أضاف أن دير الزور شهدت تغيراً ملحوظاً بعد عام 2024 مع بدء عودة الناس إلى منازلهم وأماكن عملهم، وأن الأعمال الجارية في المناطق المدمرة والاستثمارات الجديدة تثير حماسه. يواصل التجول في شوارع المدينة لتوثيق “عودة الحياة إليها”، مؤكداً أن مهمته هي متابعة نبض المدينة، وأن الهدف ليس مجرد العودة إلى ما كانت عليه بل جعلها مدينة أجمل.
اختتم سليمان بقوله: “لا تزال هناك مناطق مدمرة، لكن الحياة تعود، وسأستمر في توثيق هذا التحول كما فعلت على مر السنين\).





