الرئيسيةعربي و عالميتململ داخل الحزب الجمهوري يضع حدوداً...
عربي و عالمي

تململ داخل الحزب الجمهوري يضع حدوداً جديدة لسيطرة ترامب

04/06/2026 17:02

لم يعد السؤال المطروح في العاصمة واشنطن حول ما إذا كان دونالد ترامب لا يزال الشخصية الأقوى داخل الحزب الجمهوري؛ إذ لا تزال هيمنته على الحزب وشعبيته بين القاعدة الشعبية وقدرته على إقصاء منافسيه في الانتخابات التمهيدية حقائق سياسية راسخة. بيد أن السؤال الذي يفرض حضوره بقوة الآن هو ما إذا كانت هذه السيطرة تبدأ في التراجع عندما تنتقل من فضاء الولاء الحزبي إلى ميدان الحكم الفعلي: الحرب، والكونغرس، والإنفاق العام، والتعيينات الحكومية، وحسابات الناخبين الجمهوريين القلقين على مقاعدهم وصورتهم أمام الجمهور.

في غضون الأيام القليلة الماضية، برزت مؤشرات متفرقة لكنها لافتة إلى أن قوة ترامب وحدها لم تعد كافية لقمع أي تململ جمهوري في بعض الملفات. بدءاً من تصويت يهدف إلى تقييد صلاحياته في ما يتعلق بالحرب ضد إيران، ومروراً بالاعتراضات على إنشاء صندوق تعويضات تبلغ قيمته ملياري دولار، ووصولاً إلى انتقادات لاذعة لبعض التعيينات داخل إدارته، يتضح أن بعض أعضاء الحزب الجمهوري بدأوا يرسمون مساحة ضيقة بين الولاء المطلق والانتقاد العلني.

تمرّد محدود النطاق

أكثر ما ميّز التصويت الذي جرى في مجلس النواب للحد من صلاحيات الرئيس في الحرب على إيران هو أنه لم يصدر عن كتلة جمهورية كبيرة، بل عن أربعة نواب فقط؛ وهم توماس ماسي وبراين فيتزباتريك وتوم باريت ووارن ديفيدسون. لكن أهمية هذا التصويت، وفق ما ذكرته صحيفة «نيويورك تايمز»، لا تكمن في العدد وحده، بل في تنوع الدوافع التي حركت هؤلاء النواب. فمنهم من ينتمي إلى الجناح المحافظ والليبرتاري الذي يعتبر أن قرار الحرب يجب أن يظل حكراً على الكونغرس دون البيت الأبيض. ومنهم من يمثل دوائر انتخابية تنافسية يصبح فيها دعم حرب طويلة الأمد ومكلفة عائقاً سياسياً مع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي.

ردّ ترامب على هذه الخطوة بغضب عبر منصته «تروث سوشيال»، واصفاً التصويت بأنه «بلا معنى» ومتهم الديمقراطيين و«أربعة جمهوريين سيئين» بالسعي لتقييد صلاحياته «في خضم مفاوضاته النهائية» لإنهاء الحرب مع إيران. بل إنه ذهب إلى أبعد من ذلك حين وصف هذه الخطوة بأنها «غير وطنية»، معتبراً أن خصومه يفضلون فشل البلاد على منحه نصراً سياسياً جديداً.

لكن، خلف هذه اللغة الحادة، تبدو الرسالة الأساسية أعمق: هناك أعضاء في الحزب الجمهوري يريدون ترسيخ مبدأ أن الولاء لترامب لا يلغي دور الكونغرس، خصوصاً في ما يتعلق بقضايا الحرب. وهذا ما عبّر عنه النائب باريت، حيث شدد على ضرورة أن يقرر الكونغرس «نطاق المهمة وحدود استخدام القوة»، في حين ذكّر فيتزباتريك بأن قانون صلاحيات الحرب يفرض العودة إلى الكونغرس بعد تجاوز المدة القانونية للنزاع.

صندوق التعويضات البالغ 1.8 مليار دولار

القضية الثانية التي أظهرت حدود الانضباط الحزبي الجمهوري تمثلت في مقترح إنشاء صندوق بقيمة 1.8 مليار دولار لتعويض من يدّعون أنهم تعرضوا لملاحقات سياسية موجهة. هذا المقترح انسجم مع السردية التي يروج لها ترامب حول «تسليح القضاء» ضد أنصاره، لكنه أثار قلقاً واسعاً حتى داخل أروقة الحزب الجمهوري، خوفاً من أن يتحول إلى أداة لمكافأة حلفاء سياسيين، من بينهم أشخاص مرتبطون بأحداث اقتحام مبنى الكونغرس في 6 يناير (كانون الثاني) 2021.

وزير العدل بالإنابة تود بلانش أبلغ المشرعين أن الإدارة «لن تمضي قدماً» في هذا الصندوق، وفق ما نقلته وكالة «أسوشييتد برس». لكن ترامب عاد ليفتح الباب مجدداً، قائلاً إنه لا يعلم ما إذا كان الصندوق قد أُلغي أو عُلّق، وأضاف أنه «يحب» الفكرة. في هذه الحالة، لا يبدو الاعتراض أيديولوجياً بقدر ما هو سياسي ومؤسسي. فالجمهوريون لا يعارضون بالضرورة خطاب ترامب حول «الاضطهاد السياسي»، لكنهم يخشون أن يصبح هذا الخطاب عبئاً انتخابياً وقانونياً، خصوصاً إذا ما صُوّر الحزب على أنه يستخدم أموالاً عامة أو تسويات قضائية لإرضاء قاعدة «ماغا».

تعيين استخباراتي يثير جدلاً واسعاً

ملف تعيين بيل بولتي مديراً بالإنابة للاستخبارات الوطنية فتح جبهة أخرى من الجدل داخل الحزب الجمهوري. فبولتي، القادم من إدارة وكالة تمويل الإسكان الفيدرالية، يعتبر حليفاً سياسياً لترامب، لكنه أثار اعتراضات عديدة بسبب افتقاره إلى الخبرة في المجال الاستخباراتي، وأيضاً بسبب دوره السابق في نشر معلومات عن رهن عقاري تخص منتقدين بارزين لترامب.

الأكثر تأثيراً كان تصريح السيناتور الجمهوري توم تيليس، الذي قال إن بولتي لا يملك «أي فرصة» تقريباً لتثبيته في منصبه عبر مجلس الشيوخ، واصفاً أداء الإدارة في هذا الملف بأنه «تصرف هواة». كما حذر تيليس من أن هذا التعيين قد يعرقل الجهود الرامية إلى تجديد قانون مراقبة جوهري يتعلق بالأمن القومي.

وقد عكست مواقف بعض الجمهوريين قلقاً أوسع من أن ترامب يفضّل الولاء السياسي على الخبرة في مناصب تمس الأمن القومي. وبالنسبة لأعضاء مجلس الشيوخ، الذين يتمتعون بدور دستوري في التصديق على التعيينات، فإن تجاهلهم التام يعني تقليصاً لنفوذهم أمام البيت الأبيض.

تململ لا يقتصر على الجبهة الداخلية

لا تقتصر الاعتراضات الجمهورية على الملفات الداخلية كإيران أو الصندوق الملياري أو التعيينات المثيرة للجدل. فهناك أيضاً تباينات واضحة بين الجمهوريين حول قضايا السياسة الخارجية، بدءاً من تايوان وصولاً إلى روسيا وأوكرانيا. وقد أشارت تقارير إعلامية إلى أن مجلس النواب يتجه للنظر في فرض عقوبات جديدة على روسيا وتقديم مساعدات لأوكرانيا عبر تحرك يفرضه ائتلاف من الحزبين، في وقت يبدي فيه صقور جمهوريون انزعاجاً من توجهات الإدارة في أوروبا ومن احتمال تقليص الوجود العسكري الأميركي هناك.

هذا يعني أن «التمرد» ليس كتلة واحدة مترابطة، بل شبكة من الاعتراضات المتفرقة. ففي ملف إيران، الدافع هو صلاحيات الحرب وتكلفة النزاع. في ملفي أوكرانيا وروسيا، الدافع هو الخشية من فراغ استراتيجي قد يستفيد منه الخصوم. في ملف تايوان، يتعلق الأمر بمصداقية الردع الأميركي في منطقة آسيا. وهذه الملفات حساسة على الصعيد الخارجي لأن الحلفاء والخصوم يراقبون ما إذا كانت قبضة ترامب على حزبه كافية لضمان استمرارية قراراته.

مع ذلك، ينبغي التذكير بأن السياسة الخارجية الأميركية شهدت عبر تاريخها تباينات بين الرؤساء وأحزابهم، خصوصاً عندما تطول الحروب أو ترتفع تكلفتها. الجديد هنا هو أن هذه التباينات تحدث مع رئيس بنى قوته على فرض الانضباط الصارم داخل الحزب.

معادلة جديدة في الانتخابات التمهيدية

خسارة النائب راندي فينسترا، المدعوم من ترامب، في السباق الجمهوري لمنصب حاكم ولاية آيوا أمام منافسه زاك لان، منحت خصوم الرئيس مثالاً رمزياً على أن تأييده لم يعد كافياً دائماً لضمان الفوز. فقد أعلن ترامب دعمه لفينسترا قبل أيام من الانتخابات التمهيدية، لكن الأخير أقر بهزيمته أمام منافس محافظ يعمل كمزارع ورجل أعمال.

لكن قراءة هذه الخسارة تحتاج إلى توازن وموضوعية. فهي لا تلغي حقيقة أن ترامب حقق نجاحات في غالبية السباقات التمهيدية الأخرى، ولا تعني أن قاعدته الشعبية تخلت عنه. لكنها تكشف عن أن ختم ترامب لم يعد ضمانة مطلقة في كل سباق انتخابي، خصوصاً عندما تتداخل عوامل محلية مثل الزراعة والتعريفات الجمركية وأسعار الطاقة والغضب من الحرب.

ووفقاً لمايك ميرفي، وهو استراتيجي جمهوري، قد يكون ترامب لا يزال «مهيمناً» في الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري، لكنه أصبح أكثر عرضة للضغوط في الانتخابات العامة، حيث يحتاج المرشحون الجمهوريون إلى أصوات المستقلين والناخبين المعتدلين، وليس فقط إلى تأييد القاعدة المتحمسة. وما يجري حالياً لا يرقى بعد إلى مستوى انقلاب جمهوري شامل ضد ترامب. إذ إن الحزب لا يزال، في أغلبه، خاضعاً لإيقاعه وخائفاً من غضبه ومن قدرته على دعم منافسين في الانتخابات التمهيدية. والدليل على ذلك أن غالبية الجمهوريين وقفوا معه في تصويت إيران، وأن المعترضين ظلوا أقلية.

لكن ما تغير هو أن الخوف لم يعد كافياً دائماً لإسكات الحسابات السياسية والمؤسسية. فمع اقتراب موعد الانتخابات النصفية، ومع ارتفاع تكلفة الحرب والوقود والهجرة والتعيينات المثيرة للجدل، بدأ بعض الجمهوريين يبحثون عن مسافة محسوبة من الرئيس: لا قطيعة كاملة، ولا تمرد شامل، بل اعتراضات موضعية تمنحهم هامشاً للنجاة أمام ناخبيهم.