الرئيسيةعربي و عالميمن هامش الشاشات إلى واجهة العالم:...
عربي و عالمي

من هامش الشاشات إلى واجهة العالم: تحول كرة القدم الأمريكية إلى علامة ثقافية عالمية

06/07/2026 05:00

عند وصولي إلى الولايات المتحدة عام 1996، كانت كرة القدم لا تزال لعبة تسعى لإيجاد موطئ قدم لها في بلد يهيمن عليه عدد من الرياضات الكبرى. بعد ثلاثين عاماً، تحولت إلى إحدى أهم النوافذ التي يطل منها المجتمع الأمريكي على العالم، وربما إلى أكبر حملة علاقات عامة ثقافية شهدتها البلاد منذ عقود.

البدايات المتواضعة والشكوك الأولية

في ذلك الوقت، كان العثور على مباراة كرة قدم على شاشة التلفاز أمراً نادراً مقارنةً بمشاهدة كرة القدم الأمريكية أو كرة السلة أو البيسبول. لم تكن نتائج الدوريات الأوروبية تُدرج في الأخبار الرياضية اليومية، ولا تُملأ المقاهي بحضور جماهيري يتابع الدوري الإنجليزي كما هو الحال الآن.

في العام نفسه، انطلق الدوري الأمريكي لكرة القدم (MLS) من عشرة أندية فقط. لم يكن السؤال آنذاك يدور حول جودة المنافسة أو قدرة الدوري على جذب نجوم العالم، بل حول مدى استمراره أصلاً. هل يمكن للعبة أن تنجو في سوق يهيمن عليها دوريات أمريكية عريقة؟ وهل سيحضر الجمهور مباراة لا تتوقف كل بضع دقائق للإعلانات؟ وهل يمكن بناء ثقافة كروية محلية في بلد يعتبر كرة القدم مجرد هواية صغار قبل الانتقال إلى رياضات أخرى؟

من مهرجان عابر إلى تحول تدريجي

لم يُنظر إلى الدوري الأمريكي كمشروع عالمي؛ فقد كانت الملاعب بسيطة، والتغطية الإعلامية محدودة، وهوية بعض الأندية لم تتجاوز مرحلة التجربة. حتى كأس العالم 1994 التي استضافتها الولايات المتحدة، ورغم نجاحها الجماهيري، بدت كحدث مؤقت لم يترك أثراً فورياً على الثقافة الرياضية الأمريكية.

لكن التحولات لا تحدث دائماً بضربة واحدة؛ غالباً ما تبدأ بهدوء، ثم تتراكم بمرور الوقت لتصبح واقعاً لا يمكن تجاهله. خلال ثلاثين عاماً، توسع الدوري من عشرة أندية إلى ثلاثين نادياً في الولايات المتحدة وكندا، وأصبح يمتلك ملاعباً مخصصة، وجماهير حقيقية، وأندية ترتبط بهوية مدنها ومجتمعاتها، فضلاً عن نظام إعلامي ورقمي يتيح متابعته حول العالم.

جمهور متنوع وتنوع ثقافي

لم يعد جمهور كرة القدم في أمريكا موحداً؛ هو مزيج من أبناء المهاجرين الذين حملوا ولاءات أندية من أمريكا اللاتينية وأوروبا وأفريقيا وآسيا، ومن أمريكيين تعرفوا على اللعبة عبر منتخبات بلادهم، وجيل نشأ على ألعاب الفيديو والبث الرقمي والدوريات الأوروبية، إلى جانب جماهير المدن التي وجدت في أندية الدوري هوية رياضية جديدة بعيداً عن الرياضات التقليدية.

بهذا الشكل، لم تحتاج كرة القدم إلى هزيمة البيسبول أو كرة السلة أو كرة القدم الأمريكية؛ بل اكتفت بإيجاد مساحة لها إلى جانبها.

إنجازات المنتخب وتأثير كأس العالم 2026

تعكس مسيرة المنتخب الأمريكي للرجال هذا التحول. من حضور محدود في كأس العالم إلى قدرة على منافسة فرق ذات تاريخ طويل. وصل إلى ربع النهائي عام 2002، ثم غاب عن نسخة 2018، وعاد إلى دور الـ16 في قطر عام 2022. وفي مونديال 2026، تصدر مجموعته ودخل الأدوار الإقصائية بعد فوزه في مباراته الافتتاحيتين للمرة الأولى منذ عام 1930.

هذا لا يعني أن الولايات المتحدة أصبحت قوة كروية مكتملة أو مرشحاً دائماً للفوز بالبطولة. لا تزال هناك فجوات فنية وثقافية مقارنة بالدول التي تعيش كرة القدم فيها منذ قرن. إلا أن الفارق الأساسي هو أن أمريكا لم تعد خارجاً عن الساحة الكروية؛ بل صارت جزءاً منها، تنتج لاعبين، وترسلهم إلى الدوريات الأوروبية، وتبني أكاديميات، وتستقطب مدربين وجماهير ورؤوس أموال.

تكمن أهمية كأس العالم 2026 في أنها الأكبر في تاريخ البطولة، بمشاركة 48 منتخبا وإقامة 104 مباريات في 16 مدينة موزعة بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، منها 11 مدينة أمريكية. بذلك لا يتعرف العالم على أمريكا عبر البيت الأبيض أو الخطابات السياسية، بل عبر المطارات والطرق والمطاعم والأحياء والجامعات والملاعب والناس العاديين.

القوة الناعمة للعبة في صورة أمريكا

لطالما تشكل صورة الولايات المتحدة في الخارج عبر السياسة، الحروب، الانقسام الداخلي، والعنف الإعلامي. كثيرون يعرفون واشنطن قبل أن يعرفوا أمريكا، ويرون خلافاتها الحزبية وتوتراتها الدولية، لكنهم لا يدركون التنوع اليومي للمجتمع الأمريكي.

من خلال البطولة، يتعرّف العالم على بلد متعدد، شعب ودود، ومجتمع مفتوح على الثقافات، قادر على استقبال الزوار بلغاتهم وأعراقهم وهوياتهم المختلفة. إن المشهد الإنساني البسيط – مشجع يلتقي بأمريكيين عاديين ويكتشف دفء وتنوع البلاد – هو ما يشكل القوة الناعمة الحقيقية.

هذه القوة لا تتطلب حملات إعلانية مدفوعة أو ميزانيات ضخمة؛ قد تبدأ من سائق تاكسي يساعد مشجعاً تائهًا، أو عائلة أمريكية تتبادل الحديث مع زوار في مطعم، أو طفل يرتدي قميص منتخب أجنبي، أو مدينة تفتح ساحاتها للزوار القادمين من أقاصي العالم.

في المقابل، يكتشف الزوار من الأرجنتين والمغرب والسعودية واليابان والسنغال وإنجلترا والمكسيك ثقافاتهم الخاصة من خلال الموسيقى والعادات والاحتفالات، لتتحول المدن الأمريكية إلى معرض عالمي حي يجاور فيه الثقافات دون مؤتمرات سياسية أو بيانات دبلوماسية.

كرة القدم لا تحتاج إلى ترجمة، ولا تسأل المشجع عن دينه أو عرقه قبل أن تسمح له بالمشاركة في الفرح. اللاعبون يحملون تاريخ وثقافات أممهم، لكن المباراة توفر لغة مشتركة لمدّة تسعين دقيقة.

بالطبع، لن تمحو البطولة الانقسامات السياسية داخل الولايات المتحدة، ولا تحل جميع الانتقادات الموجهة إليها. لكنها تمنح أمريكا فرصة نادرة لتُظهر نفسها للعالم دون وسيط.

عند وصولي إلى أمريكا عام 1996، كانت كرة القدم تحاول إقناع الأمريكيين بأهميتها. وبعد ثلاثين عاماً، تستضيف الولايات المتحدة العالم وتضع مدنها وملاعبها وشوارعها وناسها في قلب أكبر حدث رياضي على وجه الأرض. الإنجاز الحقيقي ليس في عدد الأندية أو قيمة الاستثمارات أو نتائج المنتخب، بل في أن اللعبة التي كانت على هامش الشاشة أصبحت اليوم منصة تقدم من خلالها أمريكا نفسها إلى العالم، كما يعيشها الناس.