مضيق هرمز بين السيادة والقانون الدولي: قراءة في الأزمة الراهنة

لم تعد الممرات البحرية مجرد طرق تجارية عابرة، بل تحولت إلى ركيزة أساسية في منظومة الأمن والسلم الدوليين، حيث يرتبط استقرار الاقتصاد العالمي بسلامة هذه الممرات بقدر ارتباطه بالإنتاج الصناعي أو الأسواق المالية. ويبرز مضيق هرمز في صدارة هذه الممرات، ليس فقط لموقعه الجغرافي الاستراتيجي، بل بصفته شريانًا حيويًا يربط منطقة الخليج العربي بالأسواق العالمية. ولهذا، فإن أي توتر يشهده لا يُنظر إليه كخلاف ثنائي، بل يُعتبر أزمة متعددة الأبعاد قانونية وسياسية واقتصادية تتجاوز حدود الإقليم. ومع التطورات الأخيرة المرتبطة بالمفاوضات الأمريكية الإيرانية والوساطة القطرية، عاد السؤال القانوني إلى الواجهة: هل يظل أمن مضيق هرمز خاضعًا لاعتبارات السيادة الوطنية، أم أن القانون الدولي يفرض نظامًا قانونيًا يحد من سلطة الدول المشاطئة؟
جذور الأزمة وتطورها التاريخي
لفهم هذه الإشكالية، لا بد من العودة إلى جذورها التاريخية. فمنذ الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، وما عُرف بـ«حرب الناقلات»، تحول المضيق إلى ساحة لتقاطع المصالح العسكرية والاقتصادية. ثم تعمقت الأزمة مع تصاعد الخلاف حول البرنامج النووي الإيراني، وفرض العقوبات الاقتصادية، وما تبع ذلك من تهديدات متكررة بإغلاق المضيق أو تقييد الملاحة فيه. أما في العام الحالي 2026، فقد أعادت المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران، وما رافقها من جهود دبلوماسية، قضية المضيق إلى دائرة الاهتمام الدولي، ليس بوصفها قضية عسكرية فحسب، بل باعتبارها عنصرًا مؤثرًا في استقرار التجارة والطاقة العالميتين.
الإطار القانوني: اتفاقية قانون البحار والمرور العابر
من الناحية القانونية، يتمثل الإطار الحاكم لهذه المسألة في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، التي نظمت النظام القانوني للمضائق المستخدمة للملاحة الدولية. فقد قررت المادة (37) خضوع هذه المضائق لنظام خاص، بينما نصت المادة (38) على حق السفن والطائرات في «المرور العابر» بوصفه مرورًا مستمرًا وسريعًا لا يجوز تعطيله دون مسوغ قانوني. كما أوجبت المادة (44) على الدول المشاطئة عدم عرقلة هذا المرور أو تعليق ممارسته.
ومع ذلك، فإن التطبيق العملي لا يخلو من تعقيد؛ إذ تتمسك إيران بسيادتها على مياهها الإقليمية، كما أنها وقعت على اتفاقية قانون البحار دون أن تتم إجراءات التصديق عليها، الأمر الذي أوجد نقاشًا فقهيًا حول مدى انطباق بعض أحكامها عليها من الناحية التعاهدية. غير أن جانبًا معتبرًا من الفقه الدولي يرى أن قواعد المرور العابر في المضائق الدولية اكتسبت، إلى حد بعيد، صفة العرف الدولي، بما يجعلها مرجعًا في تنظيم الملاحة حتى خارج الإطار التعاهدي. ومن هنا، فإن الإشكال الحقيقي لا يكمن في وجود النصوص القانونية، وإنما في كيفية التوفيق بين مبدأ سيادة الدولة الساحلية وبين مصلحة المجتمع الدولي في استمرار الملاحة دون انقطاع.
المسار السياسي: المفاوضات والوساطة
أما سياسيًا، فإن المفاوضات الأمريكية الإيرانية الأخيرة لا تبدو أنها تستهدف تعديل الوضع القانوني للمضيق، وإنما تخفيض مستوى التوتر الذي قد يهدد أمنه. كما أن الوساطة القطرية تعكس تطبيقًا عمليًا للوسائل السلمية لتسوية المنازعات المنصوص عليها في المادة (33) من ميثاق الأمم المتحدة، والتي تدعو إلى حل النزاعات بالمفاوضات والوساطة وغيرها من الوسائل قبل الانزلاق إلى استخدام القوة. ومن ثم، فإن نجاح هذه الجهود لا يقتصر أثره على العلاقات الأمريكية الإيرانية، بل يمتد إلى حماية أمن الطاقة العالمي، واستقرار أسواق النفط، وتعزيز الثقة في سلامة سلاسل الإمداد الدولية.
الاستنتاج: القانون الدولي كضابط للتوازن
ختامًا: فإن أزمة مضيق هرمز تكشف بوضوح أن الجغرافيا قد تمنح الدول نفوذًا استراتيجيًا، إلا أن القانون الدولي يرسم الحدود التي ينبغي أن يمارس هذا النفوذ في إطارها. ولذلك، فإن مستقبل هذا الممر البحري لن يتحدد فقط بموازين القوة أو بنتائج المفاوضات السياسية، وإنما بمدى احترام قواعد القانون الدولي التي تسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين حقوق الدول الساحلية، وحرية الملاحة، ومتطلبات الأمن والاستقرار الدوليين.





