المرأة التي اكتشفت ما خفي عن الآخرين: ظاهرة اختناق التصفح الرقمي

من ملاحظة في مقهى إلى مصطلح طبي
في عام 2007 لاحظت الباحثة الأمريكية ليندا ستون أثناء جلوسها في مقهى أن معظم الناس لا يتنفسون بشكل طبيعي عندما ينظرون إلى هواتفهم أو يقرؤون بريدهم الإلكتروني. مستفيدة من خبرتها السابقة كتنفيذية في مايكروسوفت وآبل، عادت إلى مكتبها ونفذت دراسة على مجموعة من موظفين تنفيذيين كانت تراقبهم أثناء استخدام الشاشات. أظهرت النتائج أن نحو ثمانين بالمئة منهم كانوا يحبسون أنفاسهم أو يتنفسون بصورة سطحية ومتقطعة دون إدراك. أطلقت ستون على هذا الظاهرة اسم Email Apnea ثم اتسعت التسمية لتشمل كل تفاعل مع الشاشة تحت مسمى Screen Apnea.
كيف يستجيب الجسم للتصفح المستمر
يشرح البروفيسور ستيفن بورجيس، أستاذ الطب النفسي في جامعة نورث كارولينا، ما يحدث داخل الجسد عندما ينتقل الشخص بين الإشعارات والمقاطع القصيرة والأخبار المثيرة والمقارنات الاجتماعية وخوف الفوت. يحاول الجهاز العصبي تفسير سؤال واحد: هل هذا تهديد؟ لأن الدماغ لا يميز دائمًا بين خطر حقيقي وخطر رقمي، يختار الاستجابة التي ورثناها من ملايين السنين من التطور: الاستعداد للقتال أو الفرار. نتيجة لذلك يرتفع مستوى الكورتيزول، يزداد معدل النبض، ويصبح التنفس أقصر وأسرع. بما أن الخطر المتوقع لا يتحقق، يظل الجسد في حالة تأهب دائم ينتظر عدواً لن يظهر. هذا الوضع المزمن يتحول إلى أعراض جسدية مثل الصداع المتكرر، الأرق، الإرهاق غير المبرر، صعوبة التركيز، ضيق الصدر، واضطراب المزاج. على المدى الطويل تترتب عليه آثار مثل ضعف المناعة، اضطراب النوم، صعوبات في التعلم والذاكرة، زيادة الوزن، والتهابات صامتة تنخر في الجسم دون إعلان.
الدوبامين ودوائر الإدمان على الشاشات
كل إعجاب أو مقطع مفاجئ أو إشعار يضيء على الشاشة يطلق دفعة صغيرة من الدوبامين في الدماغ. دراسة نشرت في إحدى مجلات مجلة Sage – Royal Society of Public Health عام 2025 سمّاها الباحثون تصفح الدوبامين وكشفت أن أكثر من مليار إنسان حول العالم يقضون ما معدله ثلاث ساعات يومياً في تصفح وسائل التواصل، بينما يتجاوز المتوسط في بعض الدول أربع ساعات. هذا السلوك المتكرر يخفض المستوى القاعدي للدوبامين تدريجياً، مما يجعل الأنشطة اليومية العادية أقل جاذبية ويدفع المستخدم إلى مزيد من التصفح بحثاً عن نفس التحفيز. وجدت البروفيسورة غلوريا مارك من جامعة كاليفورنيا أن كل جلسة تصفح تحوي تقريباً ثلاثمائة حركة تمرير منفصلة، أي ثلاثمائة فرصة لإطلاق الدوبامين وثلاثمائة فرصة لحبس الأنفاس دون وعي. النتيجة الشائعة هي أنفاس مشدودة ومقطوعة، أكتاف منحنية، صداع يتبعه إرهاق غير مفهوم، قلق بلا سبب، وتوتر مستمر رغم عدم وجود ضغوط ظاهرة.
الاسترشاد بالتراث الإسلامي لاستعادة التوازن
يقدم الدين الإسلامي إرشاداً شاملاً لا يقتصر على الوعظ بل يشكل نظاماً متكاملاً لحفظ الإنسان من التشتت والقلق. يربط القرآن الطمأنينة بذكر الله في قوله: “ألا بذكر الله تطمئن القلوب”; والطمأنينة هنا ليست مجرد شعور روحي بل حالة استقرار داخلي تنعكس على الجسد والنفس والسلوك. في عصر الشاشات المتسارعة تصبح الصلاة خمس محطات يومية لإيقاف الضجيج الرقمي؛ فهي ليست مجرد عبادة بل لحظة انفصال واعٍ عن العالم الخارجي: نغسل وجوهنا من أثر الانشغال، نقف بدون هاتف مقيد إلى معصمنا، نخفض رؤوسنا، ننظم أنفاسنا، ونعود إلى معنى أكبر من الإشعار العابر والمقطع القصير. وكأن الصلاة تقول للإنسان خمس مرات في اليوم: توقف… أنت لست مطالباً بأن تلاحق كل شيء. كما أن السنة النبوية في الاعتدال، وحفظ الوقت، واقتناص خلوات من الصمت والتأمل، مشابهة لانسحاب النبي ﷺ إلى غار حراء قبل البعثة، تضع أساساً متيناً لما نسميه اليوم “الصحة الرقمية”; فنحن بحاجة إلى “غار صغير” من السكينة بعيداً عن الشاشات وصمتِها الذي يستنزف أعمارنا وأنفاسنا وهدوءنا دون أن نشعر.
الحل لا يكمن في التخلي التام عن التقنية، فقد أصبح الهاتف جزءاً لا يتجزأ من الحياة والعمل والعلاقات، بل في إدراك أن الخطر يبدأ عندما تتحول الأداة إلى سلطة على العقل والجسد. نحن لا نحتاج فقط إلى “ديتوكس رقمي” بل إلى رؤية جديدة لعلاقتنا بالشاشة؛ علاقة أكثر وعياً، وأكثر رحمة بأجسادنا وأرواحنا وأنفاسنا. والآن، وأنت تقرأ هذه السطور: ضع الهاتف جانبا، وخذ نفساً عميقاً يتمدد فيه بطنك لا كتفاك. أخرجه ببطء. هذا النفس الذي أخذته للتو هو أول خطوة نحو استعادة ما سرقته الشاشة منك دون أن تنتبه. الإنسان الذي لا يتنفس بعمق لا يعيش بعمق أيضاً. فأنفاسنا أثمن من أن تبدد في تمرير عابر، وقلوبنا أكرم من أن تبقى معلقة بضوء صغير يسرق منها السكينة. بين إشعار وآخر، وبين مقطع وآخر، ما زالت هناك فرصة لأن نعود إلى أنفسنا… إلى ذكر يطمئن القلب، وصلاة تعيد ترتيب الداخل، ونفس عميق يذكرنا بأن الحياة لا تقاس بسرعة التصفح، بل بعمق الحضور.





