انتخابات المغرب.. أربع رهانات بين النزاهة واستعادة ثقة المواطنين

تتجه الأنظار في المغرب نحو الانتخابات التشريعية المقررة في 23 سبتمبر/أيلول الجاري، حيث تسعى الأحزاب السياسية إلى استعادة ثقة الناخبين في ظل تحديات متعددة، أبرزها أزمة الثقة المتفاقمة بين المواطنين والمؤسسات السياسية.
ثلاثة رهانات أساسية للنزاهة والتنافسية
يرى أستاذ العلوم السياسية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله في فاس، إسماعيل حمودي، أن الانتخابات المقبلة تحمل ثلاثة رهانات رئيسية. الأول يتعلق بنزاهة الاقتراع، ويتساءل: “هل يكون الصندوق محصنًا من التلاعبات ومعبرًا عن اختيارات المواطنين الفعلية؟” ويشير حمودي إلى أن هذا الرهان يواجه إشكالية المال الذي حوَّل الانتخابات إلى سوق للتنافس بين أصحاب الأموال وشبكات المصالح. أما الرهان الثاني فهو تنافسية الانتخابات، متسائلاً: “هل تكون المنافسة عادلة ومتوازنة بين المتنافسين؟” ويضيف أن الأحزاب اشتكت باستمرار من تدخلات بعض رجال السلطة ومن قوانين غير ديمقراطية، فضلاً عن استعمال المال السياسي دون رقابة دقيقة من السلطة المشرفة على العملية الانتخابية. الرهان الثالث، بحسب حمودي، يخص ديمقراطية ما بعد الانتخابات: “هل ينتج الصندوق مؤسسات أكثر تمثيلية وفعالية وقابلة للمساءلة، ويعيد بناء الثقة بين المواطن والسياسة؟”
فجوة الثقة وتحديات التواصل
من جانبه، يوضح أستاذ الصحافة والإعلام بجامعة مولاي إسماعيل في مكناس، محمد كريم بوخصاص، أن الأحزاب تملك اليوم إمكانات تواصل أكبر بكثير مما كان متاحًا في استحقاقات سابقة، سواء عبر وسائل الإعلام أو المنصات الرقمية. لكنه يستدرك أن المشكلة الأساسية لم تعد مرتبطة بقدرة الأحزاب على الوصول إلى الناخب، بل بقدرتها على إقناعه واستعادة ثقته. ويرى بوخصاص أن مؤشرات الثقة تكشف عن فجوة واضحة بين المواطنين والمؤسسات والفاعلين السياسيين، وهي أكثر بروزًا لدى الشباب، مما يضع الأحزاب أمام تحدٍ مزدوج: الأول هو تجاوز التواصل الموسمي الذي يشتد خلال الحملات ثم يتراجع بعدها، والثاني الانتقال من خطاب يعتمد على الشعارات والوعود إلى خطاب يشرح الاختيارات ويقدم برامج قابلة للقياس ويربط الالتزامات الانتخابية بالحصيلة والمساءلة.
البيئة الرقمية.. فرص وتحديات
ويشير بوخصاص إلى أن البيئة الرقمية، رغم ما توفره من فرص، تطرح تحديات إضافية مرتبطة بسرعة تداول المعلومات والتضليل وهيمنة المحتويات المختصرة والانفعالية. ويؤكد أن نجاح الأحزاب في التواصل لن يُقاس بعدد متابعيها أو بحجم حضورها الرقمي، بل بقدرتها على الإنصات والتفاعل وتقديم أجوبة مقنعة حول القضايا التي تشغل المواطنين. ويخلص إلى أن الرهان الحقيقي في انتخابات 2026 سيكون قدرة الأحزاب على تحويل التواصل من أداة للتعبئة الانتخابية المؤقتة إلى علاقة سياسية مستمرة مع المواطن، مشددًا على أن أزمة الثقة لا تعالج بحملة تواصلية ناجحة فقط، بل بالمصداقية والوضوح والقدرة على تنفيذ الوعود الانتخابية.
مؤشرات صعبة وإجراءات حكومية
ويقول حمودي إنه من الصعب القول إن الأحزاب قادرة على استعادة ثقة المواطنين في الانتخابات التشريعية المقبلة، لأن المشكلة الأساسية تكمن في أن المواطن لا يرى فقط أن الأحزاب لا تمثله، بل يعتقد أيضًا أنها لا تعبر عن مصالح المواطنين. ويلفت إلى دراسة وطنية حديثة شملت حوالي 3000 مشارك، أظهرت أن 88% يرون أن الأحزاب لا تهتم بما يكفي بانشغالات المواطنين، وأن 90.4% يرون أن المنتخبين لا يوفون بالتزاماتهم، بينما صرح 79.5% بعدم وجود علاقة أو تواصل لهم مع الأحزاب. ويفسر حمودي أن هذا يعني أنه من الصعب جدًا القول إن الأحزاب يمكنها استعادة الثقة في الانتخابات المقبلة، لأن فقدان الثقة حدث تدريجيًا وعبر مسار طويل، وبالتالي فإن استعادتها تتطلب أيضًا عملًا طويلًا ومتدرجًا.
وفي سياق متصل، كانت نسبة المشاركة في انتخابات 2021 قد بلغت 50.18%، مسجلة ارتفاعًا ملحوظًا مقارنة بـ43% في انتخابات 2016. وفي 13 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، تعهد وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت بضمان شفافية الانتخابات، وذلك خلال اجتماع برلماني لتقديم مشاريع قوانين مرتبطة بالاستحقاقات الانتخابية. وقال لفتيت إن أبرز التحديات الكبرى في الانتخابات المقبلة تتعلق بإرساء قواعد من شأنها تخليق الحياة السياسية والانتخابية بشكل نهائي، مضيفًا أن تحقيق هذه الغاية يمثل قناعة تتقاسمها مختلف الأطراف المعنية بهدف صيانة سمعة مجلس النواب أمام الرأي العام الوطني والدولي.
وتتكون الحكومة الحالية برئاسة عزيز أخنوش من ائتلاف يضم ثلاثة أحزاب رئيسية: التجمع الوطني للأحرار، والأصالة والمعاصرة، والاستقلال. وتسعى أحزاب الحكم والمعارضة إلى إعادة تموضعها السياسي عبر نيل المرتبة الأولى في الانتخابات المقبلة، ومن ثم تشكيل الحكومة القادمة.





