زيارة الزيدي إلى واشنطن: اختبار للدولة وملف السلاح في صدارة الأجندة

زيارة الزيدي إلى واشنطن ومحطة اختبار الدولة
تذهب زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى واشنطن أبعد من الإطار الدبلوماسي التقليدي، وتصبح محطة مفصلية تختبر قدرة الحكومة على تحويل تعهداتها إلى خطوات عملية في ملفات حساسة داخلياً وخارجياً، وعلى رأسها حصر السلاح بيد الدولة، ومكافحة الفساد، وإعادة تشكيل العلاقات مع الولايات المتحدة قبل حلول موعد نهاية سبتمبر الذي يتزامن مع انسحاب القوات الأميركية وفق الاتفاق المبرم.
وجهات نظر الخبراء حول خلفية الزيدي وموقفه
يرى الخبير العسكري والاستراتيجي أعياد الطوفان أن تميز الزيدي ينبع من خبرته الاقتصادية والتجارية، موضحاً أنه لم يصل إلى المنصب عبر الفوز الانتخابي أو الانتماء الحزبي، بل يتمتع بشبكة واسعة من العلاقات مع مختلف أطراف العملية السياسية، بما يشمل الأحزاب والشخصيات والفصائل المسلحة، بحكم نشاطه التجاري ومعرفته الطويلة بالبيئة العراقية.
ويشير الطوفان إلى أن هذه الخلفية جعلت جميع الأطراف على دراية كاملة به، وهو ما ساهم في قبول ترشيحه رغم عدم انتمائه الحزبي، ويضيف أن الدعم الذي تلقاه من الرئيس الأميركي دونالد ترامب يمنح الزيارة دلالات إضافية ويوفر له مساحة أكبر من الاستقلالية لتنفيذ التعهدات التي تلقاها، مؤكداً أن المرحلة لم تعد تحتمل البقاء في “المنطقة الرمادية”، بل تفرض خيارات واضحة.
ملف السلاح وموعد نهاية سبتمبر
يربط الطوفان ملف حصر السلاح بالمهلة التي تنتهي في الثلاثين من سبتمبر، والمتزامنة مع موعد انسحاب القوات الأميركية، معتبراً أن هذا التطور يسقط الذريعة التي تستند إليها الفصائل المسلحة في احتفاظها بالسلاح، طالما أن القوات الأميركية ستغادر البلاد.
ويؤكد أن إدارة الملف عبر تأجيل الأزمات أو مجرد إدارتها، كما فعلت الحكومات السابقة، لن تحقق النتائج المطلوبة، بل يجب التفاوض لوضع جميع الأسلحة تحت راية المؤسسة العسكرية بحيث تصبح الدولة وحدها صاحبة السلاح، ما يحفظ أمن المواطنين، ويعزز الاستقرار، ويفتح الباب أمام جذب الاستثمارات وتحسين العلاقات الدولية، ويكرس صورة الدولة التي يسود فيها القانون وتتمتع الشركات بالحماية.
ويحذر من الاستمرار في إدارة الأزمة دون حسم، noting أن هذا المسار لا يحظى بقبول الشارع العراقي ولا البيئة الإقليمية والدولية، موضحاً أن الولايات المتحدة ربطت هذا الملف بسقف زمني واضح وأكدت عدم وجود استثناءات، بحيث يخضع الجميع لسلطة الدولة ويحملون راية العراق.
ويذهب الطوفان إلى أن الفصائل المسلحة لم تعد تمثل تحدياً للأمن الداخلي فحسب، بل باتت مصدر قلق للأمن الخليجي والعالمي، مستشهداً بما وصفه باتهامات موثقة من دول خليجية تفيد بأن معظم الهجمات التي تعرضت لها انطلقت من الأراضي العراقية، وهو ما ينعكس سلباً على علاقات العراق بمحيطه العربي.
وفي السياق نفسه، يشدد على أن مفهوم السيادة لا يتحقق بالشعارات بل عبر التفاوض والوصول إلى اتفاقات تضمن فرض سلطة الدولة، ويتساءل عن سبب عدم لجوء القوى التي تمتلك الأغلبية البرلمانية إلى إصدار قانون ملزم لإخراج القوات الأميركية، بدلاً من الاكتفاء بقرارات، معتبراً أن القانون وحده هو الذي يفرض التزاماً على السلطة التنفيذية.
رؤى بديلة حول قوة الزيدي ومحاور الزيارة
في المقابل، يرفض عضو المرصد الوطني للإعلام وائل الركابي توصيف الطوفان لرئيس الوزراء، معتبراً أن الخلفية الاقتصادية ليست موضع انتقاد، بل أصبحت سمة شائعة لدى كثير من القيادات السياسية في العالم.
ويعتقد أن عدم انتماء الزيدي إلى أي كتلة سياسية يمثل نقطة قوة، لأنه يحرره من حسابات المجاملة بين القوى المختلفة، كما أن إعلانه عدم السعي إلى ولاية ثانية يعكس أنه لا يتمسك بالسلطة بقدر ما يؤدي مسؤولية أوكلت إليه.
ويضيف الركابي أن العلاقات التي تجمع رئيس الوزراء بالفصائل المسلحة والكتل السياسية يمكن أن تتحول إلى عامل مساعد في إقناع الجهات التي ما تزال تعترض على حصر السلاح بيد الدولة، خاصة مع اقتراب موعد خروج القوات الأميركية في نهاية سبتمبر، الذي يراه محطة مفصلية لبدء مرحلة جديدة.
ويحدد الركابي ثلاثة محاور رئيسية لزيارة واشنطن: أولها تطوير العلاقة الاقتصادية بين العراق والولايات المتحدة، ولا سيما عبر دخول الشركات الأميركية إلى السوق العراقية؛ ثانيها تقديم ضمانات بشأن حصر السلاح بيد الدولة؛ وثالثها مواصلة جهود مكافحة الفساد.
ويؤكد أن استقرار العراق وتحوله إلى بيئة بعيدة عن الفساد سيجذب الشركات الرصينة، سواء كانت أميركية أو من دول أخرى، نافياً أن تكون الزيارة قائمة على تنازلات عراقية أو شروط أميركية، بل يصفها بأنها مرحلة تقوم على لغة التفاهم والمصالح المشتركة، في ظل رغبة أميركية بالاستثمار داخل العراق، مع التشديد على ضرورة استثمار هذه الرغبة بصورة صحيحة.
بين المخاوف والتشكيك… رهان على الثقة الداخلية
ويفرّق الركابي بين المخاوف والتشكيك، معتبراً أن القلق من الملفات الحساسة أمر مشروع، بينما يبقى التشكيك المسبق بكل خطوة أمراً مرفوضاً، داعياً إلى الرجوع إلى الجهات المعنية لإدارة الملفات بدلاً من إطلاق الأحكام المسبقة.
ويشير إلى أن رئيس الوزراء عرض برنامج زيارته إلى واشنطن خلال اجتماع ضم ائتلاف إدارة الدولة وقادة القوى الكردية والسنية والشيعية، وكانت قضية حصر السلاح إحدى أبرز الملفات المطروحة، معتبراً أن تحويل هذا الملف إلى قضية مرتبطة بالأمن القومي العربي يمثل، بحسب رأيه، محاولة لاستثارة العواطف.
ويذكّر بأن العراق تضرر من تداعيات إغلاق مضيق هرمز، كما تعرض للقصف نتيجة دعم بعض الفصائل لإيران خلال الحرب الأخيرة، لكنه يرى أن المرحلة المقبلة يجب أن تقوم على تنفيذ الفصائل تعهداتها لرئيس الوزراء، والتزام الأخير بهذه الوعود، إلى جانب التزام الكتل الشيعية، تمهيداً لمرحلة جديدة تبدأ بعد نهاية سبتمبر، يكون عنوانها إعادة بناء الثقة داخل الساحة العراقية، بما ينعكس على علاقات العراق الإقليمية وما يتجاوز حدوده الجغرافية.





