الجزائر: إعلان النتائج النهائية للانتخابات النيابية يفتح الطريق أمام تشكيل الحكومة الجديدة

بعد أن أعلنت المحكمة الدستورية في الجزائر، يوم السبت الموافق 19 يوليو 2026، النتائج النهائية للانتخابات النيابية التي جرت في 2 يوليو من العام نفسه، يُسدل الستار على المرحلة الأخيرة من المسار الانتخابي، لتتجه الأنظار نحو طبيعة الحكومة المرتقبة.
في انتظار ذلك، واستكمالاً للإجراءات القانونية، فإن النتائج النهائية التي صدرت عن المحكمة الدستورية تُعتبر غير قابلة للطعن، وسيتم نشرها في الجريدة الرسمية بعد إحالتها إلى كل من رئيس المجلس الشعبي الوطني الحالي إبراهيم بوغالي، ورئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات كريم خلفان.
تُشكّل هذه الخطوة آخر إجراء قانوني يسبق دعوة جميع الفائزين في الانتخابات النيابية إلى جلسة تنصيب المجلس الشعبي الوطني الجديد، والتي يجب أن تتم في غضون 15 يوماً.
أغلبية برلمانية داعمة للرئيس تبون
تصدّرت الأحزاب الداعمة لبرنامج الرئيس عبد المجيد تبون المراكز الثلاثة الأولى في الانتخابات، وهي: حزب جبهة التحرير الوطني بـ 91 مقعداً، وحزب التجمع الوطني الديمقراطي بـ 74 مقعداً، وجبهة المستقبل بـ 56 مقعداً، وذلك وفق إعلان المحكمة الدستورية.
وبما أن الأغلبية في مجلس يتكون من 407 مقاعد تُحدد بـ 204 مقاعد (وفق قاعدة 50% + 1)، فإن مجموع المقاعد التي حصلت عليها هذه الأحزاب الداعمة للرئيس تبون، والتي شاركت في تنشيط التجمعات الشعبية خلال الانتخابات الرئاسية لعام 2024 التي فاز فيها بولاية ثانية، يبلغ 221 مقعداً.
يُضاف إلى ذلك كتلة الأحرار التي حصلت على 33 مقعداً، والتي أعلنت في الانتخابات النيابية السابقة دعمها لبرنامج الرئيس تبون، إلى جانب حركة البناء الوطني (ذات التوجه الإسلامي) الحاصلة على 40 مقعداً.
أما الحزب المعارض الوحيد القادر على تشكيل كتلة نيابية داخل المجلس فهو حركة مجتمع السلم (أكبر حزب إسلامي) بـ 43 مقعداً. في المقابل، لا تستطيع بقية الأحزاب المعارضة، وعددها ثلاثة، تشكيل كتلة نيابية لأن الحد الأدنى المطلوب هو 15 مقعداً على الأقل. فقد حصلت جبهة القوى الاشتراكية (يسار) على 12 مقعداً، والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية (علماني) على 4 مقاعد، وحزب العمال (يسار راديكالي) على 3 مقاعد. وحتى الأحزاب التي حصلت على أقل من 10 أو 5 مقاعد تُعرف بمواقفها الداعمة لرئيس الجمهورية عبد المجيد تبون.
من الناحية السياسية، يحظى الرئيس الجزائري بأغلبية مطلقة داخل المجلس الشعبي الوطني وفي البرلمان بغرفتيه مجتمعين، مما يمنحه دعماً كاملاً في العمل التشريعي والرقابي وفي مجال الدبلوماسية البرلمانية.
تشكيل الحكومة وفق الدستور
مع إعلان المحكمة الدستورية النتائج النهائية واكتمال ملامح التركيبة السياسية داخل المجلس الشعبي الوطني، ينتقل المشهد السياسي في البلاد إلى نقطة جوهرية تتعلق بتشكيل الحكومة، والتي تخضع لقواعد دستورية واضحة إلى جانب العرف السياسي.
في هذا الشأن، يميز دستور البلاد الذي أُعد عام 2020 بين حالتين: إذا أسفرت الانتخابات التشريعية عن أغلبية رئاسية داعمة لرئيس الجمهورية وبرنامجه، فإن المادة 103 تنص على أن “يقود الحكومة وزير أول”. أما إذا أفرزت الانتخابات أغلبية برلمانية، فإن المادة نفسها تنص على أن “يقود الحكومة رئيس حكومة”. وتضيف المادة ذاتها: “تتكون الحكومة من الوزير الأول أو رئيس الحكومة، حسب الحالة، ومن الوزراء الذين يشكلونها”.
وتحدد المادة 104 آلية تعيين أعضاء الحكومة، إذ تنص على أن “يعين رئيس الجمهورية أعضاء الحكومة بناء على اقتراح من الوزير الأول أو رئيس الحكومة، حسب الحالة”. وفي حالة الأغلبية الرئاسية، توضح المادة 105 الخطوات الدستورية اللاحقة، وتنص على أنه “إذا أسفرت الانتخابات التشريعية عن أغلبية رئاسية، يعين رئيس الجمهورية وزيراً أول ويكلفه باقتراح تشكيل الحكومة وإعداد مخطط عمل لتطبيق البرنامج الرئاسي الذي يعرضه على مجلس الوزراء”.
وفي حالة الأغلبية البرلمانية التي تعني سيطرة المعارضة، تنص المادة العاشرة من الدستور على أن “يعين رئيس الجمهورية رئيس الحكومة من الأغلبية البرلمانية، ويكلفه بتشكيل حكومته وإعداد برنامج الأغلبية البرلمانية”. وتضيف المادة نفسها أنه “إذا لم يصل رئيس الحكومة المعين إلى تشكيل حكومته في أجل ثلاثين (30) يوماً، يعين رئيس الجمهورية رئيس حكومة جديد ويكلفه بتشكيل الحكومة”.
الرئيس صاحب سلطة التعيين وسيناريوهات الحكومة
لا توجد في الدستور الجزائري مادة تنص حرفياً على استقالة الحكومة بعد ظهور النتائج النهائية للانتخابات النيابية واتضاح طبيعة الأغلبية المسيطرة على الغرفة الأولى للبرلمان. لكن يوجد إقران واضح وصريح بين من يقود الحكومة وما تسفر عنه نتائج الانتخابات، ولذا بات من العرف السياسي تجديد تركيبة الحكومة بناءً على التركيبة الجديدة للمجلس الشعبي الوطني.
يمنح دستور البلاد رئيس الجمهورية صلاحية كاملة في تعيين الوزير الأول والوزراء الذين يقترحهم الوزير الأول أو حتى رئيس الحكومة في حالة الأغلبية البرلمانية. من هذا المنطلق، يمكن للرئيس تبون أن يجدد الثقة في الوزير الأول سيفي غريب ليقود الحكومة المقبلة، على أن يتم ذلك بشكل علني، أو أن يعين وزيراً أول آخر. كما يمكنه أن يأمر الحكومة بمواصلة مهامها (ولو بشكل مؤقت)، نظراً لاقتراب موعد الدخول الاجتماعي في سبتمبر/أيلول المقبل وما يصاحبه من تحضيرات مكثفة قد تفرض استقراراً على نفس الطاقم الحكومي. كما يمكنه إجراء تعديل حكومي جزئي يمس القطاعات التي يرى أنها بحاجة إلى نفس جديد بناءً على تقييم أداء الوزراء.
بعد استقرار رئيس الجمهورية على هوية الوزير الأول، يُفسح المجال عادة أمام تشكيل الحكومة، التي يمكن أن تأخذ شكل “التركيبة السياسية” المكونة من كفاءات لها انتماء للأحزاب الفائزة بأكبر مقاعد البرلمان، أو يمكن أن تتشكل من التكنوقراطيين الذين لا يملكون انتماء حزبياً. في هذا السياق، يمكن للرئيس تبون دعوة الأحزاب لمشاورات تسبق تشكيل الحكومة مثلما فعل في 2021، حيث تقوم هذه الأحزاب باقتراح قوائم بأسماء كفاءاتها التي تراها مؤهلة لشغل مناصب وزارية. ولا يلزمه الدستور بتنظيم هذه المشاورات، ويتيح له في المقابل تعيين الوزراء بناءً على اقتراح الوزير الأول أو من يراهم مناسبين لشغل حقائب قطاعات معينة.
بعد الانتخابات النيابية لعام 2021، شكل الرئيس تبون حكومة مكونة من بعض الوزراء المنتمين لأحزاب فائزة بمقاعد برلمانية، لكن العدد الأكبر كان من وزراء تكنوقراط. وبعد مرور 5 سنوات، ومع نهاية الولاية التشريعية الحالية، تخلو الحكومة الحالية من وزراء ذوي انتماء سياسي.





