الرئيسيةعربي و عالميهندسة الضرورة: كيفحول سكان غزة الأنقاض...
عربي و عالمي

هندسة الضرورة: كيفحول سكان غزة الأنقاض إلى أدوات للبقاء

19/08/2026 13:01

تحويل الأنقاض إلى موارد بناء

بعد عودة نيفين الأشقر وزوجها وأطفالهم السبعة إلى ما تبقى من منزلهم في مخيم جباليا، وجدوا خلية نحل واحدة نجت من أصل ثلاثمائة كانت تمتلكها العائلة. رغم حالتها السيئة، احتوت الخلية على نحو أربعة كيلوغرامات من العسل، وبدأوا بإصلاح الصناديق المتضررة باستخدام ما يجدون من مواد بسيطة لاستمرار مهنة تربية النحل.

تشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى أن حجم الركام في قطاع غزة يصل إلى حوالي 61 مليون طن، ما يعادل نحو 15 هرمًا من أهرامات الجيزة من حيث الحجم. وذكر البرنامج أن نحو 15 بالمئة من هذه الأنقاض قد تكون ملوثة بالأسبستوس والمعادن الثقيلة والنفايات الصناعية والطبية، مع وجود ذخائر غير منفجرة بين المباني المهدمة.

وفقًا لدراسة شاملة لمركز الأمم المتحدة للأقمار الاصطناعية (يونوسات) استندت إلى صور التقطت في 11 أكتوبر 2025، تضرر نحو 81 بالمئة من مباني القطاع، حيث بلغ عدد المباني المتضررة 198 ألفًا و273، منها 123 ألفًا و464 مدمرة بالكامل، وأكثر من 320 ألف وحدة سكنية تأثرت بالأضرار.

أعلن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في أبريل 2026 عن مشروع نفذه خلال عامي 2025 و2026 جمع نحو 112 ألف طن من الأنقاض، ومعالجة المواد لإعادة استخدامها في صيانة الطرق وتقوية أرضيات المآوي. وتشغل كسارة تابعة للبرنامج في منطقة الأمل بخان يونس بطاقة تصل إلى ألف طن يوميًا، وتقدير البرنامج لإزالة معظم الركام هو سبع سنوات بشرط توافر الوقود والآليات الثقيلة وحرية الوصول واستقرار الأوضاع، بينما يحتاج بدء المسار الموسع إلى حوالي 110 ملايين دولار.

في ورشة أعيد تشغيلها بعد تعرضها للقصف، يدير سليمان أبو حسنين مشروع “غرين روك” الذي يحول الركام إلى قوالب بناء متشابكة تشبه قطع ليغو. تبدأ العملية بسحق الخرسانة وفرزها، ثم خلطها بالتربة المحلية ومواد رابطة بديلة قبل ضغط الخليط في آلة محلية الصنع. لا تحتاج القوالب عند التركيب إلى الملاط التقليدي، ما يقلل الاعتماد على الإسمنت النادر. ووفقًا لتحقيق نشرته مجلة WIRED في 17 مايو 2026، تنتج الورشة بين ألف وخمسمائة قالب يوميًا، وهي كمية تكفي نظريًا لبناء مأوى صغير خلال أسبوعين، وتقلل التكلفة بما يتراوح بين 50 و60 بالمئة مقارنة بالبناء التقليدي، على الرغم من أن المشروع لا يزال تجريبيًا ولم يُختبر بعد على مستوى أحياء كاملة.

يتم استخراج قضبان الحديد من المباني المنهارة وتقويمها لإعادة استخدامها في إنشاء هياكل للخيام والمساكن المؤقتة أو بيعها لتوفير دخل للأسر، حيث يبلغ سعر القضيب الواحد نحو 15 دولارًا وفقًا لتقرير لرويترز. أما الخشب، فقد أصبح نادرًا لدرجة أن النجارين يفككون الطبليات التي تحمل المساعدات ويحولونها إلى أسرة وخزائن وطاولات ورفوف. في ورشة بخان يونس تُباع غرفة بسيطة مصنوعة من الطبليات بأربعة إلى خمسة آلاف شيكل، بينما تصل تكلفة الغرفة التقليدية إلى نحو 18 ألف شيكل. وارتفع سعر كيلوغرام المسامير من نحو خمسة شواقل قبل الحرب إلى ما بين 100 و130 شيقلًا، وفق رويترز.

السرير في مخيمات النزوح ليس مجرد قطعة أثاث فاخرة؛ بل يرفع الأطفال والملابس عن الأرض والرمال والقوارض والحشرات، ويوفر للعائلات حدًا أدنى من الحماية داخل الخيام.

استخدم الصيادون إطارات الأبواب المستخرجة من تحت الأنقاض لصنع أجزاء من قوارب صغيرة، إلى جانب ألياف زجاجية معاد استخدامها. كان سعر كيلوغرام الألياف الزجاجية يتراوح بين 50 و60 شيقلًا قبل الحرب، لكنه ارتفع إلى نحو 800 شيقل، ما جعل إصلاح القوارب الكبيرة شبه مستحيل، فحولت قوارب النزهات الصغيرة إلى أحد آخر مصادر رزق قطاع الصيد.

حلول الطاقة والغذاء والطب

في خان يونس، صمم المهندس الزراعي إيناس الغول موقدًا شمسيًا من صندوق خشبي وزجاج محطم ومرايا تجمع الأشعة داخل حيز الطهي. يمكن نقل الموقد إلى أسطح المنازل أو مناطق النزوح واستخدامه للطهي والقلي دون غاز أو كهرباء. واستخدمت الغول المواد نفسها تقريبًا لبناء جهاز بدائي لتقطير المياه: يسخن ضوء الشمس الماء المالح داخل حوض مغطى بالزجاج، ثم يجمع بخار الماء بعد تكثفه ويمرره عبر أوعية تحتوي على فحم نشط. يعمل الجهاز دون كهرباء أو ألواح شمسية، مستفيدًا من نحو 14 ساعة من سطوع الشمس صيفًا وثماني ساعات شتاءً، لكنه يحتاج إلى اختبارات مخبرية منتظمة لضمان صلاحيته لمياه الشرب على نطاق واسع ولا يمكن اعتباره بديلًا عن محطات التحلية وشبكات المياه.

في أماكن أخرى، استبدلت الطاقة العضلية بالكهرباء؛ حيث ربط الخياط رعد سعد عجلة دراجة هوائية بماكينة خياطة داخل بقايا مصنعه المدمر، ويتولى ابنه تحريك الدواسات بينما يقوم الأب بالخياطة. reappeared هذه الطريقة في ورش ترميم فساتين الزفاف القديمة خلال عام 2026.

وصلت هندسة الضرورة إلى غرف الإنتاج الطبي؛ فقد أعلن فريق فلسطيني بالتعاون مع منظمة “غليا” الطبية إنتاج مثبت خارجي للكسور داخل غزة باستخدام مكونات مطبوعة بتقنية ثلاثية الأبعاد ومواد محلية وبلاستيك معاد الاستخدام، بينما تعمل الطابعات بالطاقة الشمسية. ذكرت المنظمة أن الجهاز استخدم منذ أغسطس 2025 لعلاج ثلاثة مصابين كانوا معرضين لخطر البتر أو العجز الدائم، بينما كان 12 مريضًا آخر ينتظرون العلاج وقت الإعلان. وتزيد تكلفة الجهاز المستورد عادة على 500 دولار، بينما يتيح التصميم المفتوح إنتاج أجزائه محليًا خلال ساعات، وتظل هذه الأرقام خاصة بالجهة المطورة وتحتاج النتائج السريرية الأوسع إلى متابعة مستقلة.

ومع ذلك، ليس كل ما يُنتج من المخلفات آمنًا؛ فقد وثقت رويترز تحويل النفايات البلاستيكية بالتسخين إلى وقود بدائي للمولدات والمركبات. يوفر ذلك بديلًا في حالات النقص الحاد، لكنه يعرض العاملين والسكان لخطر الحروق والأبخرة السامة، خاصة إذا جرت العملية داخل الأحياء المكتظة ومن دون معدات لمعالجة الانبعاثات.

التحديات والاحتياجات المستقبلية

هذه النماذج لا تجعل الدمار فرصة اقتصادية، ولا تعني أن سكان غزة قادرون على إعادة بناء القطاع بأدواتهم وحدها. قدر تقييم مشترك للبنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، نُشر في فبراير 2025 واعتمد على أضرار أقدم من أحدث تقديرات الدمار، احتياجات التعافي والإعمار بنحو 53 مليار دولار. وتؤكد هذه الأرقام أن “هندسة الضرورة” هي شهادة على إبداع humans في ظل الشدة، لكنها لا تعفي العالم من مسؤولية الإعمار.