الرئيسيةتكنولوجياخنفساء النار تُلهم العلماء لابتكار أجهزة...
تكنولوجيا

خنفساء النار تُلهم العلماء لابتكار أجهزة متطورة لكشف حرائق الغابات

12/08/2026 09:03

عندما تشتعل الحرائق في الغابات، يكون الهرب هو رد الفعل الغريزي لدى معظم الكائنات الحية. لكن هناك حشرة تتصرف بشكل مغاير تماماً، إذ تتجه صوب ألسنة اللهب بدلاً من الابتعاد عنها.

إنها خنفساء النار المعروفة علمياً باسم “ميلانوفِيلا أكوميناتا”، التي طورت على مر الزمن نظاماً حسياً فريداً يمكنها من تحديد مواقع الغابات المشتعلة. وقد استلهم الباحثون من هذه القدرة الفريدة سعياً وراء تصميم أجهزة أكثر حساسية للإنذار المبكر بالحرائق.

لماذا تبحث خنفساء النار عن الحريق؟

بالنسبة لهذه الحشرة، لا تشكل النيران كارثة تستدعي الفرار، بل تمثل بيئة ضرورية لإتمام دورة حياتها. فالحشرات البالغة تتجه إلى المناطق المحترقة، وبعد التزاوج تضع الإناث بيضها تحت لحاء الأشجار التي تعرضت للحرق حديثاً. وعند فقس اليرقات، تجد في الأشجار المتضررة ظروفاً مناسبة للنمو، إذ تنخفض مستويات المنافسة وتضعف الدفاعات الطبيعية للأشجار.

لهذا السبب، واجهت خنفساء النار تحدياً غير مألوف في عالم الطبيعة: كيف تعثر على حريق في الغابة؟ والإجابة تكمن في جسدها ذاته.

منظومة إنذار طبيعية

تمتلك خنفساء النار “ميلانوفِيلا أكوماتا” عضوين حسيين متخصصين في منطقة الصدر، قادرين على التقاط الأشعة تحت الحمراء المرتبطة بالحرائق. يحتوي كل عضو على مستقبلات دقيقة تستجيب للإشعاع الحراري، مما يساعد الحشرة على تحديد مصدر النيران والتوجه نحوه.

كما أظهرت الأبحاث أن قرون الاستشعار لدى هذه الخنافس يمكنها كشف مركبات كيميائية مرتبطة بدخان الأخشاب المحترقة. وبالتالي، فإن الخنفساء لا “تسمع” الحريق حرفياً، بل تستعين بمزيج من الأشعة تحت الحمراء والإشارات الكيميائية الناتجة عن الدخان للوصول إليه.

هل ترصد النار من مسافة تتجاوز 100 كيلومتر؟

هنا تصبح القصة أكثر إثارة، لكنها تستوجب أيضاً الحذر. فقد أشارت بعض الدراسات حول المستشعرات المستوحاة من خنفساء النار إلى إمكانية رصدها حرائق كبيرة من مسافات بعيدة جداً، مع تقديرات تصل إلى أكثر من 100 كيلومتر.

غير أن دراسات أخرى أبدت تشككاً في دقة هذه التقديرات، معتبرة أن الأدلة غير كافية لإثبات أن الأشعة تحت الحمراء وحدها تمكن الخنفساء من اكتشاف الحريق من هذه المسافات البعيدة.

لذا، فالحقيقة العلمية الأكثر رسوخاً ليست المسافة المحددة، بل الحساسية الاستثنائية لنظام الاستشعار الذي تمتلكه خنفساء النار. وهذه الخاصية تحديداً هي ما استرعى انتباه العلماء.

من جسم الخنفساء إلى مختبرات الباحثين

بدلاً من الاكتفاء بدراسة هذه القدرة، بدأ العلماء يتساءلون: ماذا لو أمكن تقليد جهاز الاستشعار الطبيعي لدى خنفساء النار؟

وعمل باحثون على تطوير مستشعرات حرارية دقيقة مستوحاة من مستقبلات “ميلانوفِيلا أكوميناتا”، محاولين الاستفادة من الطريقة التي تتعامل بها مع الأشعة تحت الحمراء. وتعتمد بعض التصاميم التجريبية على غرف صغيرة مملوءة بسائل؛ فعند امتصاص الأشعة تحت الحمراء ترتفع حرارتها ويتمدد السائل، محدثاً تغيراً في الضغط يمكن تحويله إلى إشارة قابلة للقياس.

ولم تقتصر الفكرة على تصنيع مستشعر منفرد، بل بحث العلماء أيضاً إمكانية الاستفادة من آليات خنفساء النار في تطوير أنظمة للكشف المبكر عن حرائق الغابات تجمع بين الاستشعار بالأشعة تحت الحمراء وأساليب بحث مستوحاة من الحشرة.

المفارقة أن حشرة صغيرة تبحث عن النار لاستمرار دورة حياتها قد تقدم للإنسان أفكاراً تساعده على اكتشاف الحرائق مبكراً. فبينما تعتمد مكافحة حرائق الغابات الحديثة على الأقمار الاصطناعية والكاميرات والطائرات والمستشعرات، تكشف خنفساء النار عن حل طورته الطبيعة: جهاز بالغ الصغر والحساسية للإشعاع الحراري، مرتبط بمنظومة تساعد الحشرة في البحث عن مصدر النار.

ولا يعني ذلك أن “ميلانوفِيلا أكوميناتا” تحولت بالفعل إلى نموذج جاهز لإنقاذ الغابات، أو أن التقنيات المستوحاة منها حلت محل أنظمة الإنذار الحالية. فما توصل إليه الباحثون يتمثل أساساً في تقنيات ونماذج تعتمد على المحاكاة الحيوية، ولا تزال موضع تطوير ودراسة.

وهكذا، بينما تهرب معظم الكائنات من ألسنة اللهب، تطير خنفساء النار في الاتجاه المعاكس، مسترشدة بإشارات الحرارة والدخان. والقدرة التي تقودها إلى الغابة المحترقة قد تساعد العلماء يوماً على اكتشاف الحريق قبل أن يتحول إلى كارثة.