الورق يبدع على الورق لكن الميدان يكشف الحقيقة

الوهم الورقي
في كل بطولة عالمية، يظهر على الورق فريق لا يُقهر؛ جميع اللاعبين في قمة مستواهم، المدرب عبقري، الخطة محكمة، الإحصاءات مطمئنة، ونسبة الاستحواذ كافية للفوز بكأس العالم مرتين. لكن فور بدء المباراة، يكتشف هذا الفريق أنه لا يعرف كيف يركض.
ضحكت عندما سمعته محللاً رياضياً يقول: «هذا المنتخب هو الأفضل على الورق». لم أضحك من العبارة نفسها، بل من ثقته المطلقة، فالورق لم يسجل هدفاً منذ اختراع الطباعة ومع ذلك يحصل على كل هذا الاحترام.
الفجوة بين التخطيط والتنفيذ
بعد أيام، كنت في نقاش عن التعليم، فقال أحد الأصدقاء بثقة لا تقل عن ثقة ذلك المحلل: «نظامنا التعليمي يضاهي أفضل أنظمة العالم… لكن على الورق». اعترفت أنني لم أجد سبباً للاعتراض، فالورق عندنا يعيش حياة مترفة؛ يحصل على أفضل الخطط، أجمل التصاميم، أفخم الأغلفة، وأثقل الملفات!
لو كانت الجوائز تمنح لأناقة الوثائق، لاحتجنا إلى متحف لا إلى وزارة! لدينا استراتيجيات طويلة لدرجة أنك تحتاج إلى استراتيجية أخرى حتى تنهي قراءتها، ولدينا مؤشرات أداء تراقب كل شيء إلا الأداء! ولدينا لجان تراجع أعمال اللجان التي تراجع أعمال اللجان! حتى أصبح أكبر إنجاز لبعض المؤسسات أنها نجحت في توثيق أسباب عدم الإنجاز.
المشكلة ليست في نقص الأفكار؛ الأفكار تتكاثر عندنا أكثر من الأرانب، فكل أسبوع مبادرة، وكل شهر مشروع، وكل فصل دراسي رؤية. حتى كاد المعلم يحتاج إلى جدول حصص خاص بالمباد بالمبادرات يدرس فيه المبادرة الأولى قبل أن تلغيها المبادرة الثانية.
نتائج الورق في الميدان
أما الميدان… فذلك كائن لطيف لا يزوره كثير من أصحاب القرارات إلا في الصور التذكارية؛ الميدان لا يقرأ العروض التقديمية، ولا يهتم بعدد الشرائح، ولا تعنيه الكلمات الإنجليزية التي تزين الخطط. الميدان لديه سؤال واحد فقط: هل أستطيع تنفيذ هذا؟ إذا كانت الإجابة «لا»… فإن ثلاثمئة صفحة لن تحولها إلى «نعم»!
الغريب أن الجميع في نهاية العام يعلن النصر؛ الإدارة حققت مستهدفاتها، واللجنة أنهت توصياتها، والاستشاري سلم تقريره، المتحدث الرسمي نشر تغريدته! والورق… حصل على ترقية جديدة. الشخص الوحيد الذي لم يسمع بخبر هذا الانتصار هو المعلم، لأنه كان مشغولا بمحاولة تطبيق الخطة التي كتبها شخص لم يدخل فصلا دراسيا منذ أن كان طالبا!
في كرة القدم، عندما يخسر المنتخب، لا يخرج المدرب ليقول: لكن العرض التقديمي كان رائعا. ولا يقول رئيس الاتحاد: يكفينا شرف جودة الخطة. ولا يصفق الجمهور لأن الخط جميل في ملف المباراة؛ الجمهور يريد هدفا، والطلاب يريدون تعليما، وكلاهما لا يسكن داخل ملف (PDF)!
ربما مشكلتنا أننا أحببنا الورق أكثر مما أحببنا الإنسان؛ صرنا نثق في التوقيع أكثر من التنفيذ، وفي الختم أكثر من الأثر، وفي التقرير أكثر من الحقيقة. حتى أصبح النجاح يقاس بعدد الصفحات، لا بعدد الوجوه التي تغيرت حياتها.
لو كان الورق لاعبا لمنحناه شارة القيادة، ولو كان الحبر مدربا لوقعنا معه عقدا طويل الأجل. ولو كانت الملفات تسجل الأهداف لفزنا بكأس العالم منذ زمن! لكن، ويا لسوء حظ الورق… المباريات ما زالت تلعب على العشب، والتعليم ما زال يحدث داخل الفصل. وهناك… لا يصفق أحد للخطة إذا تعثر المعلم، ولا يحتفل أحد بجمال الوثيقة إذا خرج الطالب خالي الوفاض.
في النهاية، ليست المأساة أن يكون لدينا أفضل نظام تعليمي على الورق. المأساة أن الورق، حتى هذه اللحظة، لم ينجح في تدريس طالب واحد. تماما كما أنه… لم يسجل هدفا واحدا في كأس العالم!





