اليمن جار لا يهدأ: مسيرة عقود من التحديات في العلاقة مع السعودية

على الخرائط، تبدو الحدود مجرد خطوط صامتة، لكن الواقع بين المملكة العربية السعودية واليمن يحمل أبعاداً أخرى؛ فهي حواف من القلق وأخاديد من الغموض. يمتد تاريخ طويل من التشابك القبلي والارتباط المصيري، وجوار لا يمنح صاحبه سوى خيار الفهم والتحمل والتفاعل، مهما بدا مستعصياً على الاستيعاب أو مؤلماً في المعالجة.
جذور التحدي: جار لا يستقر
منذ تأسيس الدولة السعودية، وجدت نفسها أمام جار لا يعرف الاستقرار؛ كيان تتقلب تطلعاته، يجتمع فيه الألم والعنف وتناقض الهوية والثورات، والعصبية القبلية والمذهبية، مع تضاريس وعرة ومناطق ترفض الالتقاء على عقل واحد أو ضمير وطني مشترك، أو حتى مصلحة جوار موحدة. لذلك، بادرت المملكة بالحوار ومد أيادي الخير ودعم الدولة المركزية على أمل أن تصبح قوية جامعة ذات رؤية للسلام والتنمية. لكن أطياف اليمن ظلت تتأرجح بين صراع على السلطة، وأفكار سياسية ناقصة، ومناهج فكر متضاربة، ومفاهيم نهب تتصادم كالأمواج على صخور لا تلين.
اختلافات جوهرية في فلسفة الوجود
لم تكن التباينات مجرد خلافات في أساليب الحكم، بل اختلافات جذرية في فلسفة الوجود السياسي نفسه. فعلى مدى عقود، ظل اليمن يبحث عن حكومة شاملة تضبط إيقاعه، لكنه لم يجدها وسط عداوات متصاعدة وتدهور في الخدمات وسوء في النوايا. الشرعية تتعثر، والحوثي يمد يديه إلى الخارج، والجنوب يسعى للانفصال، والمجلس الانتقالي يوسع نفوذه، والقبائل تغير ولاءاتها كما تغير الريح اتجاهها. وهكذا تحول اليمن إلى فسيفساء مشوهة، كل قطعة تظن أنها قادرة على التفرد وعداء الجميع، حتى لو دمرت كل قيم الدولة والعروبة والإسلام.
معاناة مستمرة للمملكة
عانت المملكة طوال الوقت؛ فلم يكن هذا المشهد ترفاً سياسياً أو مردود سلامة نوايا، بل صداعاً مزمناً، وخنجراً في الخاصرة، وهاجساً أمنياً يقلق الخليج والعرب. اليمن ليس جاراً بعيداً يمكن مراقبته من وراء الأمواج، ولا حدوداً يمكن إغلاقها، بل هو هموم تلتصق بالجسد السعودي وتسرّب إليه الاضطراب والألم والحيرة. لذلك، ظلت المملكة تحتويه وتحاول وتبذل جهوداً دبلوماسية واقتصادية وتنموية لأكثر من ثمانية عقود، متغلبة على معوقات التبدلات والتخبطات التي يستحضرها كل زمن وتحول.
دعم متواصل وتحديات متجددة
دعمت المملكة كل الحكومات حين كانت في السلطة، واحتوت القبائل التي شعرت بالتهميش، وواجهت التدخلات الخارجية حين تحول اليمن إلى ساحة نفوذ فارسية واختراقات موازية تزيد المشهد العربي تلويثاً وتعقيداً. إنها فوضى يمنية متجددة الصعوبات والتعقيد، تشبه تضاريس البلد وتنافر مكوناته البشرية. الفقر يذبح، والتعليم يتردى، والعقول تهاجر، والخدمات تسرق، والصحة تتراجع، وأغلب القيادات المتعاقبة والطامحة تظل ترى في ثرى الوطن خزينة للنهب قبل المغادرة إلى الخارج، لتعاود كرة العداء والتخوين وعض يد من كان يساعدها. مشهد سريالي يزداد قتامة بمحاولة بعض القوى المخترقة توسيع نفوذها عبر التعدي على حضرموت والمناطق القريبة منها، في مسعى لفرض واقع التهديد والابتزاز على المملكة وبيع السيادة لمن يدفع أكثر!
ورغم كل ذلك، تبقى السعودية قوية ثابتة في مواقفها، رغم ما يصيبها من أذى؛ لا تريد السيطرة على اليمن ولا تقسيمه، بل تريده جاراً للرخاء والتقدم والتنمية الآمنة المستقرة، لا منصة تهديد وابتزاز، ولا مسرحاً مستأجراً لعروض فوضى وخيانات تتجدد كلما ظن الجميع أنها وعت وتحملت مسؤولياتها الوطنية المرجوة.





