باب بلغراد في إسطنبول: بوابة تاريخية تجمع بين الدفاع والتجارة عبر العصور

على امتداد الأسوار البرية لمدينة إسطنبول، يظل باب بلغراد شاهداً على نحو 1600 عام من تاريخ المدينة، حاملاً بين أحجاره ونقوشه حكايات الإمبراطوريات المتعاقبة والحروب والتحولات العمرانية. فمن بوابة ساهمت في حماية القسطنطينية وتنظيم الحركة إليها والخروج منها في العصر البيزنطي، إلى معبر استعاد دوره في الحياة اليومية خلال الحقبة العثمانية، يختزل هذا الصرح التاريخي فصولاً من ذاكرة إسطنبول، ويكشف عن تداخل اعتبارات الدفاع والتجارة وحاجات السكان في تشكيل ملامح المدينة عبر القرون.
بوابة تاريخية عمرها 1600 عام
شُيدت الأسوار البرية في إسطنبول، التي يقع باب بلغراد ضمنها، عام 413 ميلادي في عهد الإمبراطور البيزنطي ثيودوسيوس الثاني، وعُرفت باسم “أسوار ثيودوسيوس”. وامتدت هذه الأسوار من منطقة سراي بورنو باتجاه ولاية أدرنة (شمال غرب)، لتشكل أحد أبرز خطوط الدفاع عن المدينة. ومع توسع إسطنبول، فُتحت في الأسوار بوابات ربطت الطرق الخارجية بمراكز المدينة، وتحولت إلى معابر للحركة العسكرية والتجارية.
وتتيح النقوش الحجرية المحيطة بباب بلغراد تتبع مراحل بناء التحصينات والتعديلات التي طرأت عليها. إذ يشير أحد النقوش إلى أن الإمبراطور أركاديوس بدأ أعمال بناء الأسوار، فيما استكملها الإمبراطور ثيودوسيوس، كما يتضمن معلومات عن إقامة التحصينات فوق منظومة أقدم واعتماد نظام الأسوار المزدوجة. ويتناول نقش آخر أعمال ترميم نُفذت في عهد الإمبراطور قسطنطين، مشيراً إلى إنجازها خلال نحو 60 يوماً، فيما كان الطريق المار عبر الباب يصل إلى منتدى أركاديوس و”عمود أركاديوس”، مما جعل البوابة حلقة وصل بين الطرق الخارجية وأحد مراكز المدينة.
من الباب المغلق إلى معبر حيوي
بعد فتح إسطنبول عام 1453، أُغلق الباب لفترة وعُرف باسم “الباب المغلق”، قبل أن يُعاد فتحه لاحقاً، ويسهم في تسهيل الوصول إلى المستشفى اليوناني بمنطقة باليكلي. وعلى مر القرون، تأثر الباب والأسوار المحيطة به بالزلازل وعوامل التدهور، وكان زلزال عام 1894 من أبرز الأحداث التي ألحقت أضراراً بالأجزاء العلوية من الأبراج، فيما خضعت الأسوار لأعمال ترميم وإعادة تنظيم عامي 1986 و1987.
وقال الأستاذ في قسم تاريخ الفن بكلية الآداب في جامعة إسطنبول مدنيت، قادر بكتاش، للأناضول، إن موقع باب بلغراد ضمن أسوار ثيودوسيوس أكسبه أهمية عسكرية وتجارية، وجعله أحد المعابر التاريخية المهمة في المدينة. وأوضح أن الباب يقع في منطقة تتجه فيها الأسوار نحو الجنوب، مما منحه موقعاً استراتيجياً، مضيفاً: “حافظ الباب على أهميته العسكرية والتجارية خلال العهدين البيزنطي والعثماني. فالأبواب الموجودة في الأسوار كانت تربط داخل المدينة بخارجها، وتتيح للناس الدخول والخروج، كما كانت نقاطاً لمراقبة الحركة وضبطها لأغراض أمنية. لذلك، لا ينبغي النظر إلى باب بلغراد باعتباره مجرد ممر للعبور”.
نقوش حجرية تروي تاريخ الأسوار
وأشار بكتاش إلى أهمية النقوش الموجودة قرب الباب لفهم تاريخ الأسوار، ولا سيما النقش المرتبط بعهدَي أركاديوس وثيودوسيوس. وقال إن هذا النقش يوضح أن أركاديوس بدأ أعمال البناء، فيما أكملها ثيودوسيوس، كما يشير إلى وجود منظومة أقدم شُيدت فوقها التحصينات القائمة، وإلى اعتماد نظام الأسوار المزدوجة، أحد أبرز سمات منظومة الدفاع البيزنطية. وتطرق بكتاش إلى نقش آخر يتناول ترميم الأسوار في عهد الإمبراطور قسطنطين، موضحاً أن الأعمال أُنجزت خلال نحو 60 يوماً. وقال إن سرعة الترميم تعكس أهمية الأسوار، ولا سيما في أوقات الحصار، مضيفاً: “هذا النقش لا يقدم لنا معلومات عن عملية ترميم فحسب، بل يوضح أيضاً الأهمية العسكرية التي كانت للأسوار بالنسبة إلى المدينة”. ولفت إلى أن الطريق المؤدي من الباب كان يصل إلى منتدى أركاديوس، حيث يوجد عمود أركاديوس، مما يعكس ارتباط الوظيفة العسكرية للبوابة بدورها في التجارة وحركة السكان.
وقال بكتاش إن باب بلغراد مر بمرحلة مختلفة بعد فتح إسطنبول، إذ أُغلق لفترة وأُطلق عليه اسم “الباب المغلق”، قبل أن يُفتح مجدداً في مرحلة لاحقة. وأضاف أن تسهيل الوصول إلى المستشفى اليوناني في باليكلي كان من الأسباب المهمة وراء إعادة استخدامه، مما يعكس تغير وظيفة البوابة تبعاً لاحتياجات المدينة. وتطرق إلى أصل تسمية “باب بلغراد”، مشيراً إلى وجود روايات مختلفة بشأنها، وقال إن أحمد مختار باشا (1839–1919)، أحد أبرز القادة العسكريين ورجال الدولة العثمانيين، أرجع الاسم إلى الحي الذي يقع فيه الباب، فيما توجد تفسيرات أخرى لا يمكن التعامل معها جميعاً بوصفها معلومات مؤكدة. وشدد على ضرورة دراسة استخدام الاسم في المصادر التاريخية المختلفة للوصول إلى فهم أدق لأصله.
شاهد على تحولات إسطنبول
وأوضح بكتاش أن المظهر المعماري الحالي لباب بلغراد يعكس تدخلات تعود إلى مراحل تاريخية متعددة، إذ يقع الباب بين برجين وله قوس مستدير، فيما يغطي ممر العبور سقف مقبب. وأشار إلى أن أبراج الباب تظهر تقنيات البناء المستخدمة في أسوار ثيودوسيوس، وأن بعض الإضافات التي تعود إلى العهد العثماني ربما زالت بمرور الوقت، بينما لا تزال آثار تلك المرحلة ظاهرة في نسيج الجدران وبعض التفاصيل المعمارية. وقال: “الصرح الذي نراه اليوم ليس نتاج مرحلة تاريخية واحدة، بل يحمل آثار التدخلات والتغييرات التي شهدها في عصور مختلفة”.
وأكد بكتاش أن تاريخ باب بلغراد يتجاوز التاريخ المعماري للصرح، إذ يتيح فهم منظومة الدفاع عن إسطنبول وتنظيم المدينة في العهد البيزنطي واستخدام البوابة خلال العهد العثماني. وقال: “عبر هذه الأبواب، كان الناس يدخلون المدينة ويخرجون منها، وكانت التجارة تجري، وتتحرك القوات العسكرية. لذلك، فإن حكاية الباب ليست مجرد حكاية مبنى، بل تخبرنا أيضاً كيف كانت المدينة تعيش”. وأضاف أن بقاء باب بلغراد قائماً حتى اليوم يتيح قراءة مراحل مختلفة من تاريخ إسطنبول في مكان واحد، ويجعله شاهداً على التحولات التي مرت بها المدينة عبر القرون.





