الرئيسية›كتاب و آراء›الدكتوراه وسوق العمل بين الاستثمار والهدر:...
كتاب و آراء

الدكتوراه وسوق العمل بين الاستثمار والهدر: قراءة في قيمة المؤهلات العليا

18/10/2026 05:01

وجود المؤهلات العلمية العليا في سوق العمل لا يقتصر على الوظائف الأكاديمية التقليدية مثل المحاضر أو الأستاذ الجامعي، بل قد يتعداها إلى مجالات التعليم والهندسة وإدارة الأعمال، ما يفتح آفاقاً أوسع حول مدى استفادة المؤسسات من الخبرات البحثية لحملة الدكتوراه في تطوير الأداء والابتكار وحل المشكلات، مقابل احتمال بقاء بعض هذه المؤهلات دون استثمار يتناسب مع قيمتها العلمية أو دون انعكاس ملموس على المهام الوظيفية.

قيمة المعرفة في سوق العمل

وفق ما أوضح الباحث والمهندس الحاصل على الدكتوراه وصاحب براءة اختراع في مجال الحاسوب الدكتور محمد هويدي، فإن قيمة الدكتوراه لا تُقاس بمكان العمل سواء داخل الجامعة أو خارجها، بل بما تضيفه المعرفة العلمية من تحسين للأداء والنتائج. وأضاف أن المهارات التي يكتسبها الفرد خلال الدراسات العليا تتجاوز التدريس والبحث الأكاديمي، وتمنحه قدرات متقدمة في التحليل وفحص الفرضيات وتقييم الأدلة والتعامل مع المشكلات المعقدة، وهي مهارات يمكن توظيفها في الهندسة والإدارة والتقنية والاقتصاد والصناعة، وتظهر قيمتها عندما تسهم في رفع الكفاءة وخفض التكاليف وتحسين القرارات وتطوير العمليات.

المؤهلات غير المستثمرة والتحديات

وأشار هويدي إلى أن بعض الجهات قد تستقطب أصحاب المؤهلات العلمية المتقدمة دون أن تمنحهم فرصاً كافية للاستفادة من قدراتهم البحثية، فتبقى تكليفهم بمهام تقليدية لا تتناسب بالضرورة مع معارفهم نتيجة غياب آليات واضحة لاستثمار الكفاءات أو بسبب جمود الهياكل التنظيمية. وفي المقابل، لفت إلى أن المسؤولية لا تقع على المؤسسات فقط، إذ قد يحصل بعض الأفراد على الدكتوراه دون أن يتمكنوا من تحويل النظرية إلى حلول عملية، موضحاً أن التفوق الأكاديمي لا يعني تلقائياً التفوق في الإدارة أو التطبيق، وأن الشهادة وحدها لا تكفي لإثبات الكفاءة المهنية.

الشهادة والترقية والمسؤولية المشتركة

وبخصوص انعكاس الدكتوراه على المسار الوظيفي، رأى هويدي أن الحصول على مؤهل علمي متقدم لا يمنح صاحبه استحقاقاً تلقائياً للترقية، نظراً إلى أن المسؤوليات المهنية تتطلب خبرات ومهارات تتجاوز التحصيل الأكاديمي. لكنه شدد على أن تجاهل المؤهلات المرتبطة باحتياجات المؤسسة قد يحرمها من فرص التطوير، مؤكداً أهمية اعتماد الكفاءة الفعلية ومدى ارتباط التخصص بطبيعة العمل والقدرة على توظيف المعرفة كمعايير للاستفادة من أصحاب المؤهلات العليا.

الدكتوراه بعد التقاعد

وكشف هويدي أن تجربته الشخصية مع الدكتوراه بدأت بعد تقاعده، ولم تكن مرتبطة بالحصول على وظيفة أو منصب، وإنما برغبته في تطوير طريقة تفكيره وتعميق قدراته على التحليل والنظر إلى المشكلات من زوايا مختلفة. وأوضح أن الدراسة أسهمت في تعزيز اهتمامه بالمنهجية العلمية وفحص الأفكار والافتراضات والتمييز بين الاعتقاد والمعرفة، مؤكداً أن قيمة التعليم العالي لا تقتصر على العائد الوظيفي أو المادي، بل تمتد إلى النمو الفكري وتحسين القدرة على اتخاذ القرارات. واعتبر أن التقاعد لا يعني نهاية رحلة التعلم، بل قد يمثل بداية مرحلة جديدة من التطور المعرفي، وأن بعض الدراسات لا تغير ما يعرفه الإنسان فحسب، بل تغير الطريقة التي يفكر بها.

مسؤولية مشتركة

وأكد هويدي ضرورة التمييز بين ما تضيفه الدكتوراه إلى صاحبها وما يمكن أن تضيفه إلى المؤسسة وما قد يترتب عليها من تغيير في مسؤولياته ومكانته الوظيفية، مبيناً أن هذه الجوانب لا تتحقق بالضرورة في الوقت نفسه. وشدد على أن تحويل المؤهلات العليا إلى قيمة مؤسسية يتطلب بيئة عمل تتيح توظيف المعرفة، إلى جانب قدرة صاحب المؤهل على تقديم حلول قابلة للتطبيق وقياس أثرها، لافتاً إلى أن الدكتوراه قد تكون إنجازاً شخصياً مهماً حتى دون مردود وظيفي. واختتم بالتأكيد على أن الشهادة تثبت بلوغ صاحبها مستوى متقدماً من التحصيل العلمي، بينما تكشف النتائج العملية مدى استفادته مما تعلمه، مشيراً إلى أن المسؤولية مشتركة بين الفرد والمؤسسة في تحويل المعرفة إلى إنجاز.