الرئيسيةعربي و عالميظاهرة الهشاشة الفكرية: الأسباب والمخاطر وسبل...
عربي و عالمي

ظاهرة الهشاشة الفكرية: الأسباب والمخاطر وسبل التحصين في عصر السيولة والتفاهة

يجتاح العالم سيل متدفق من المعلومات المربكة والأفكار والمعتقدات الخاطئة من كل اتجاه. لم تعرف البشرية من قبل مثل هذا التيار الجارف من البيانات الذي يعطل العقل الناقد، ويتلاعب بالعقائد، ويقلب الحقائق، ويروج لروايات غير صحيحة عبر برامج عالمية مدروسة ومنظومات مسيسة في الغالب. هذا الوضع ينشر الشك والحيرة والارتباك الفكري، ويرسخ اللايقين في القلوب والعقول، ويسهم في التقليد الأعمى وتفشي الجهل والتفاهة، مما جعل الكثير من الأجيال عاجزا عن التمييز بين الحقيقة والخيال، وبين الواقع والتمثيل، وبين الصحيح والسقيم، بل وبين الحلال والحرام. وهو واقع زاد من تكريس الهشاشة والتفاهات في جميع أنماط الحياة، خاصة مع حالات الاستهلاك والوفرة.

تعريف الهشاشة الفكرية وجذورها العالمية

يعرف علماء الاجتماع وعلم النفس الهشاشة الفكرية بأنها حالة من الضعف والهزال الفكري تجعل الإنسان غير قادر على طرح رؤية متماسكة أو الانطلاق من أرضية ثابتة، مما يجعله سهل الانقياد والاستتباع، وفاقدا للحصانة الفكرية. وهذه الحالة ناتجة عن ضعف المناعة الذاتية للإنسان أمام المتغيرات السلوكية والتحولات العقدية عالميا، مما يؤدي إلى فقدانه لثوابته العقدية والقيمية، وقناعاته الإيمانية التي كانت تحصنه.

العالم الرأسمالي بكل محاوره ومناطق نفوذه يعاني من هذه الهشاشة، خاصة عندما تحولت الحداثة الغربية من مرحلة الصلابة إلى مرحلة السيولة، أي ذوبان الشخصية. وينتقد عالم الاجتماع البولندي زيجمونت باومان هذا الواقع في سلسلة كتبه المعنية بالسيولة، حيث يرى أن الأفكار والقيم في هذا الزمن ليست ثوابت، بل تستهلك كأي سلعة؛ تعتنق اليوم وتستبدل غدا لمجرد ظهور عرض جديد في السوق.

ولتأكيد الطابع العالمي لهذه الظاهرة، تناولها الفيلسوف الكندي الدكتور آلان دونو في كتابه “نظام التفاهة”، واصفا إياها بأنها تحولت إلى نظام سائد في عصر الرأسمالية والاستهلاك.

عوامل تفاقم الهشاشة وأثرها على المجتمعات المسلمة

مما يزيد مشكلة الهشاشة الفكرية تفاقما عبر الأجيال، ضعف مناهج التعليم في التحصين الفكري، إضافة إلى اجتياح شبكات التواصل وحجم هدر الساعات فيها، وعواصف الذكاء الاصطناعي ومدى حجم البيانات المتضاربة التي ينتجها يوميا، وحلول عصر الفضاء الإعلامي والمعلوماتي المفتوح. وبالتالي أصبح تزاحم الأفكار والمعلومات والبيانات دون منظومة قيمية ضابطة، مما يضاعف فقدان المناعة أمام الأفكار المخالفة.

وتتعاظم الإشكالية بشكل خاص في المجتمعات المسلمة في ظل اجتياح القيم الأجنبية التي تهز المعتقدات وتسقط الهويات على مستوى الأفراد والمجتمعات والدول. ويضاعف من أثر هذا الاجتياح غياب واضح لوسائل التحصين والحماية، وازدياد عولمة حالات اللايقين واللاأدرية في المعتقدات والهويات، خاصة لدى كثير من الأجيال المسلمة. ويعود السبب إلى ضعف المناهج والبرامج التي تعزز الثوابت والمحكمات للفرد والمجتمع، والتي كان من المفترض أن تعمل على تحصين الأجيال عقديا وثقافيا. وقد أدى هذا الواقع مع فقدان القوة الفكرية إلى توليد الكثير من الاضطرابات الفكرية والنفسية والتربوية.

صور الهشاشة والمخاطر المترتبة عليها

تتجلى الهشاشة الفكرية في صور ومظاهر عدة في المجتمعات المسلمة، من أبرزها: الانجراف وراء القيم والأفكار المستوردة من الشرق أو الغرب، والانسياق الأعمى وراء الخطابات السياسية المتقلبة، والتأثر بالخطابات الدينية المنحرفة أو المتسمة بالطائفية والعدائية المتطرفة دون وعي للمقاصد الحقيقية، مما يضعف الانتماء للدين والولاء للهوية الفكرية.

ومن مظاهر هذه الهشاشة: ضعف الإيمان بالغيب والقضاء والقدر، أي الإيمان بما وراء الطبيعة والمادة، مما يؤدي إلى عدم القدرة على مواجهة تحديات الحياة. ومن صورها عدم تحمل المسؤولية النفسية والأسرية والوظيفية رغم أنها جزء من ثقافة المسلم وعبادته. وكذلك ضعف الحس النقدي تجاه كل ثقافة وافدة، حيث يتم قبول الأفكار الزائفة والشائعات الكاذبة بسهولة، كما يحدث مع تأثيرات وسائل التواصل الاجتماعي وما تخلقه من انفصام بين العقيدة والحياة، وبين الهوية والدين، مما يولد شعورا بالغربة داخل الأسرة والمجتمع.

وقد نتج عن هذه الهشاشة مخاطر عدة: مخاطر ثقافية وقيمية تشمل فقدان الثقة بالثوابت العقدية والأخلاقية والمرجعية الشرعية؛ ومخاطر أمنية كالتطرف والإلحاد والعنف؛ ومخاطر اجتماعية مثل التفكك الأسري وضعف النسيج المجتمعي المحافظ؛ ومخاطر تنموية تتمثل في تعطيل طاقات الأجيال عن البناء والابتكار والإبداع والمشاركة المجتمعية؛ ومخاطر سياسية متمثلة في سهولة الاختراق الخارجي وزعزعة الاستقرار السياسي.

الأمن الفكري الاجتماعي وسبل العلاج

الأمن الفكري والاجتماعي أمران متلازمان، فلا يتحقق الأمن الاجتماعي دون الأمن الفكري. والأمن الفكري هو الهاجس الأمني الذي يشغل كل مجتمع، وتحتاج المجتمعات والدول إلى قياس مخاطر الأمن الفكري الاجتماعي، الذي يعرف بأنه توصيف المهددات والأخطار والمصادر والأسباب التي تؤدي أو يمكن أن تؤدي إلى هز القناعات الفكرية أو الثوابت العقدية أو المقومات الأخلاقية، وفق مجلة البحوث الإسلامية. ويتحقق الأمن الفكري بالمحافظة على الهوية الإسلامية التي تسعى التيارات التغريبية والتخريبية إلى هدمها. أما الأمن الاجتماعي، فيقصد به توفير الطمأنينة للفرد على نفسه وماله وعرضه من خلال انسجام قيمي وأخلاقي وفكري مجتمعي.

ومن جوانب العلاج والوقاية والتحصين، إيمان الإنسان والمجتمعات بحاجتهم إلى محكمات وثوابت عقدية دينية تلجأ إليها المجتمعات المسلمة في عسرها ويسرها. بل إن الدين والمعتقد الصحيح يمثلان وظيفة أساسية لحياة البشرية الآمنة، إذ يجعل الإنسان صامدا أمام تحديات الحياة، حيث يوفر الدين إطارا أخلاقيا ثابتا يلجأ إليه الناس للاسترشاد حول صحة الأفكار وسلامتها، وهو ما يؤكد عليه أستاذ الفلسفة والدين الأمريكي ستيفن تي في دراساته.

وفي الختام، من المهم إدراك أن الهشاشة الفكرية ليست مجرد خلل فردي، بل هي ظاهرة مجتمعية ناتجة عن فراغ عقدي وتربوي تعليمي. يتطلب علاجها مشروعا متكاملا يجمع بين العقيدة الصحيحة، والتعليم القوي الناقد، إضافة إلى الوعي الإعلامي والمجتمعي المسؤول لدى الفرد والأسرة ومؤسسات المجتمع والدولة، لمواجهة سوق الأفكار المتبدل والمتغير. وفي خضم زمن الضعف والهشاشة، تتضاعف المسؤولية الأخلاقية والتعليمية تجاه الأخطار المحدقة.