واشنطن تضع أمن الخليج في ذيل أولوياتها بالشرق الأوسط

كشفت المواجهة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران عن الترتيب الحقيقي للأولويات الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، بعيداً عن الخطابات الدبلوماسية المعتادة. فالأحداث الميدانية تُظهر أن واشنطن تتحرك وفق مصالح استراتيجية محددة لا يأتي أمن الخليج في مقدمتها.
حماية إسرائيل في الصدارة
للمراقب، تبرز الأولوية الأمريكية الأولى في حماية إسرائيل وتمكين حدودها وضمان تفوقها الاستراتيجي على المدى البعيد. فمعظم التحركات العسكرية والدبلوماسية الأمريكية خلال المواجهة، ودوافعها لعقد الاتفاقات، تنطلق من رغبتها في تقليص مصادر التهديد على إسرائيل، وتشديد الضغوط على إيران وأذرعها، أو السعي لتفاهمات جديدة معها.
وقد أثبتت إيران أنها لم تكن ضعيفة، فهي تدير اللعبة السياسية بإتقان. وعليه، تسعى إدارة الرئيس دونالد ترامب للتوصل إلى اتفاق نووي جديد مع إيران، متأملة أن يكون أكثر صلابة واستدامة من الاتفاق الذي وقعته إدارة باراك أوباما.
الملف النووي الإيراني ثالثاً
تأتي الأولوية الثانية في الحد من تطور القدرات العسكرية الإيرانية، ولا سيما في صناعة الصواريخ بعيدة المدى وتقنيات المسيرات والتصنيع العسكري المتقدم. فتُعتبر هذه القدرات تهديداً جلياً يتجاوز حدود المنطقة ويهدد مصالح أمريكا وقواعدها عبر العالم.
ويأتي الملف النووي الإيراني في المرتبة الثالثة، والذي من شأنه إحداث تحولات كبيرة في موازين القوى الإقليمية والعالمية، بتسلح جبري جديد يكسر قوانين الوكالة الدولية للطاقة الذرية. كما أن حكومة ترامب قد أنتجت مع الحرب أولوية رابعة تتمثل في محاولات ضمان أمن الملاحة الدولية في مضيق هرمز، وقد حظي هذا الملف باهتمام واسع خلال الأزمة وبعدها، نظراً لخطورة تمكين إيران من جعل المضيق ورقة ضغط مستقبلية لصالحها.
دول الخليج تتحمل التداعيات
في المقابل، وجدت دول الخليج واقعها في مشهد مختلف، يضعها على المرتبة الأخيرة للأولويات بالنسبة للرئيس ترامب. فعلى الرغم من حرص هذه الدول على تجنب الانخراط المباشر في الصراع ورفضها استخدام أراضيها أو أجوائها في المواجهة، إلا أنها لا تحلم بنيل ضمانة دفاعية أمريكية واضحة، ولا تعهدات بتعويضها عن أضرار المواجهة، بل إنها مطالبة بتحمل الجانب الأعظم من التداعيات الأمنية والاقتصادية، وإعادة إعمار إيران.
وقد أظهر الاجتماع الأمريكي الخليجي الأخير في المنامة بحضور وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن المنطقة تواجه تحديات خطيرة تتعلق بتطوير منظومات القوة، وضرورة تعزيز حماية المنشآت الحيوية، والحفاظ على ثقة المستثمرين واستقرار الأسواق، وغياب أي حلول عملية لقضايا أمن الطاقة، والدفاع الجوي الخليجي المشترك، والتعامل مع الصواريخ والطائرات المسيرة.
الدرس المستفاد
وربما تكون تكلفة معالجة آثار الحرب على دول الخليج أكبر من تكلفة الحرب نفسها، إذ تحتاج مرحلة ما بعد الأزمة إلى مصروفات وضمانات أمنية طويلة الأمد وجهود سياسية متواصلة لإعادة الاستقرار، بعد ارتفاع تكاليف التأمين البحري وتذبذب أسعار الطاقة. ومن هنا يبرز الدرس الأهم: أن الولايات المتحدة، مهما أكدت التزامها شفوياً بحماية حلفائها، تظل أولوياتها بعيدة عن توقعات دول الخليج.
ففي هذا الترتيب، تأتي حماية إسرائيل وتقييد حزب الله والأذرع الإيرانية، وصنع التوازنات العسكرية الدولية وأمن الممرات البحرية، وتحييد الصين وإبعادها عن المنطقة، كأولويات تتقدم على أمن ومستقبل دول الخليج. وهذا يستوجب من دول الخليج التعمق في ذلك، ومحاولة تعديل الميل، ووضع الضمانات، تبعاً لما تتأمله شعوب الخليج.





