الرئيسيةعربي و عالميفي أوزبكستان: تجربة الدهشة بين التراث...
عربي و عالمي

في أوزبكستان: تجربة الدهشة بين التراث والواقع

28/07/2026 23:01

الدهشة المتجددة في أوزبكستان

الدهشة سمة إنسانية طبيعية، وتشاركها مع الآخرين تميزنا، لكن إبقاء الحياة مليئة بالدهشة باستمرار وبغزارة أصبح مهمة صعبة في زمن العولمة حيث تتشابه الأشياء وتقل الفريدة، وفي عصر الرقمنة وموجات المعلومات المتضاربة، وفي زمن تصبح الصورة سائلة بفضل الذكاء الاصطناعي، يختلط ما يراه الآخرون بما نريد أن نراه أو ما تسمح به إمكاناتهم، فنرى سيلاً من الصور ونشعر في النهاية وكأننا لم نشاهد الصورة الحقيقية.

هذا الشعور استشربه الشاعر العباسي دعبل الخزاعي قبل أكثر من اثني عشر قرناً حين قال: ‘إني وأفتح عيني حين أفتحها على كثير ولكن لا أرى أحدا’.

ليس المقصود دهشة الطفل عند أول رؤية أو دهشة المعرفة عند العلماء والفلاحين، بل دهشة إعادة اكتشاف الذات بما تحويه من معرفة وذكريات ومقولات تحولت مع التكرار إلى صيغ فارغة لا تعني شيئاً، نمر عليها كما لو كنا لا نراها، ونعيش فيها مجردة من اللذة التي فقدت حواسنا تجاهها.

الندوات والفعاليات الثقافية

نحقق هذه الدهشة عندما نزور دول آسيا الوسطى، فنكتشف أن معرفتنا بها تقتصر على ما درسناه من أدبيات الفتوحات الإسلامية، głównie في كتب التاريخ والأدب والسير، ثم في ترجمات العلماء الذين عاشوا أو درسوا أو برزوا هناك، ف.names مثل بلاد الشاش وما وراء النهر، وسيحون وجيحون، وفرغانة وخوارزم وبخاري أصبحت جزءا من خارطتنا المعرفية، ولم تتغير منذ أوائل مؤرخي الفتوحات، حيث وصلتنا أعمال مثل المغازي للواقدي (ت 207هـ)، وفتوح البلدان للبلاذري (ت 279هـ)، وتاريخ الرسل والملوك للطبري (ت 310هـ) وغيرها.

بعد غيوب طويلة בעקבות سقوط بغداد وغزو المغول، دخلت المنطقة ضمن النفود الشيوعي للاتحاد السوفيتي حتى استقلالها عام 1991م.

ولو سألت كثيرين في عالمنا العربي عما يعرفونه عن دول الستانات وهي أوزبكستان وطاجكستان وقرغيزستان وتركمانستان وتتارستان وتركستان لوجدت أن معرفتهم بها شحيحة في وقتنا الحاضر مقابل غزارة المعلومات التاريخية المخزونة في التراث عن بخارى والشاش وفرغانة وسيحون وجيحون وخوارزم، مع قطيعة شبه كاملة بين التاريخ والواقع.

في أوزبكستان لا تسترجع محفوظاتك عن التاريخ فقط، بل تعيش مرحلة وسطى بين آلة الزمن المتخيلة التي تنقلك إلى ماض أو مستقبل، والغوص في التاريخ القديم وتخيل أحداثه، فتمتزج المعرفة المخزونة في عقلك بالأحداث والشخصيات والواقع الذي تجد نفسك فيه فعلياً، ضمن ثقافة مادية من آثار ومبانٍ شاهقة، وغير مادية من خلال الثقافة التي ينقلها الناس عبر الأجيال ويعيشونها تأثيراً وتأثراً.

بعد أن كانت معرفتنا بمعالم الحضارة الإسلامية فيها على نمط ‘حافظ غير فاهم’، بدأت المعلومات الذهنية تأخذ مكانها في سياقاتها الصحيحة جغرافياً وبشرياً وحضارياً من واقعنا المعاصر إلى ما يزيد على 1400 سنة، ووقع الربط بين التاريخ والثقافة أو بين ما هو في تلافيف الذهن والواقع المعاصر.

حين تطأ قدماك أرض طاشكند التي عقدت فيها ندوة الحضارة الإسلامية على مدى يومين بتنظيم من مركز الحضارة الإسلامية وبمبادرة من منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو) ومديرها العام الدكتور سالم محمد المالك؛ تدرك أنك في إقليم الشاش الذي سبقه قتيبة بن مسلم الباهلي عام 95هـ على رأس جيش بعث به الحجاج بن يوسف.

وفي مركز الحضارة الإسلامية تنظر إلى المصحف الذي كتب في عهد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه سنة 25 للهجرة، ويقال بأنه هو المصحف الذي كان يقرأ فيه حين قُتل.

وبوصولك إلى سمرقند حيث عقدت ندوتان عن الإمامين محمد بن إسماعيل البخاري الذي توفي بها سنة 256هـ، وأبي منصور الماتريدي السمرقندي (ت 333هـ) الملقب بإمام أهل السنة وصاحب المذهب الماتريدي، ولا تكاد تدلف إلى مجمع الإمام البخاري الضخم في سمرقند حتى تأسر عينيك روعة الفن المعماري بالزخارف الفنية والفسيفساء على الجدران والقباب والأبواب التي تجسد العناصر الهندسية والنباتية في تنوع لوني مبهر لا تملك إلا أن تقف مشدوهاً وكأنما تحولت حواسك كلها إلى أعين مدققة في أدق تفاصيلها.

ثم تتجول وسط المدينة العتيقة في متحف حي بكنوزه المعمارية الفريدة حيث ضريح الصحابي قُثَم بن العباس رضي الله عنه ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم الذي شارك في فتوحات ما وراء النهر واستشهد في سمرقند سنة 57هـ، وغير بعيد منه ضريح تيمورلنك القائد العنيف (ت 807هـ)، إلى جانب مجمع المدارس الإسلامية الشهير في ريجستان حيث تدرّس العلوم والمعارف في العصور الوسطى منذ عام 821هـ 1418م كالفلك والرياضيات والكيمياء والفلسفة حتى الاجتياح الروسي عام 1920م.

وبخارى مسقط رأس الإمام البخاري وقبره في سمرقند، وخوارزم التي تسمى الآن خيفا أو خيوه التي ينتسب إليها محمد بن موسى الخوارزمي (ت 232هـ) عالم الرياضيات والفلك والجغرافيا، ويدور اسم الخوارزميات الآن على ألسنة الناس والمبرمجين خاصة في العالم أجمع دون أن يدركوا العلاقة التي تربط بينها جميعا، وبها توفي جار الله الزمخشري صاحب الكشاف عام 538هـ.

ومدينة ترمذ التي فتحت في عهد عبد الملك بن مروان، ومنها محمد بن عيسى الترمذي (ت 279هـ) صاحب السنن، وبها عقدت ندوة علمية كبيرة عنه.

وكنا نعرف مدن أنديجان ونمنكان ومرغلان وقوقند على أنها المدن التي ينحدر منها بعض أصدقائنا الذين زاملناهم وجاورناهم في الطائف إلى جانب بخارى وسمرقند وطاشكند وتركستان وكاشغر، لكن تدخل مرة أخرى في دائرة الدهشة حين تراها مدنا تقبع في وادي فرغانة الذي يرد ذكره كثيراً في التاريخ الأموي والعباسي، وفي روايات الحياة الاجتماعية في قصور الخلفاء والقادة حتى انتهى المطاف إلى جرجي زيدان الذي كتب روايته ‘عروس فرغانة’ ضمن سلسلته في روايات تاريخ الإسلام.

ربط التاريخ بالحضارة المعاصرة

لا توجد بين ستانات آسيا الوسطى والعالم العربي حالة مثاقفة بعد أن انتشر الإسلام في تلك الدول وأصبح العالم الإسلامي وحدة واحدة ثقافياً ופِضْياً، وإن نشأت ممالك ودول هنا وهناك، وكان الفاعل الثقافي كتلة واحدة متكافئة، ففي القديم كان العلماء يرتحلون طلباً للعلم إلى كل البقاع ويأتيهم طلاب العلم من كل مكان، ومؤلفاتهم تجوب العالم الإسلامي دون أي حواجز سياسية أو ثقافية، فالبخاري غادر بخارى لطلب العلم وقطع آلاف الكيلومترات إلى مكة والمدينة، وأقام نحو ست سنوات ينهل من علمائها، ثم أقام بالبصرة، وتردد على الكوفة وواسط وبغداد 8 مرات ولقى فيها الإمام أحمد بن حنبل، وعلى دمشق وقيسارية وعسقلان، وخراسان ونيسابور ومرو، وهراة ومصر وغيرها.

يقول البخاري عن ترحاله: ‘دخلت إلى الشام ومصر والجزيرة مرتين، وإلى البصرة أربع مرات، وأقمت بالحجاز ستة أعوام، ولا أحصى كم دخلت إلى الكوفة وبغداد’، قبل أن يعود إلى نيسابور ويتوفى في سمرقند، وتتلمذ عليه الكثير من مختلف البلدان، وسارت مخطوطات كتبه شرقاً وغرباً عبر العصور، فهي حالة ثقافية واحدة لا حالة مثاقفة بين ثقافتين أو حضارتين.

كما أنه لم تحدث حالة المثاقفة في العصر الحديث؛ بل قطيعة ثقافية بين العالم العربي وآسيا الوسطى، وإن امتدت الحالة الثقافية التي نشأت في عصور الإسلام ضمن سيرورة التراث العربي والإسلامي عبر القرون وفي مختلف البقاع، لكن كانت هناك حالة مثاقفة ومناقدة داخل المجتمع الواحد وفي العصر الواحد في حالة أوزبكستان مثلا قديماً وحديثاً.

سأستشهد بمثالين؛ الأول: في الفنون والآثار القديمة في المتاحف، حيث نجد صوراً وتماثيل مجسمة لأشخاص وحيوانات منذ العصر الحجري إلى القرون الإسلامية الأولى كتمثال بوذا وغيره، ثم اختفت هذه الصور والنقوش والتماثيل وبدأت تنتشر المنمنمات والنقوش والزخارف والفسيفساء بأشكالها الهندسية والنباتية.

والثاني يشير إلى حالة المدافعة والمناقدة بين ثقافة السكان الأصلية والأصليين وثقافة الإسلام القادمة مع الفاتحين، وعكستها الآثار الإسلامية في ضريح السامانيين الذي بني بعد وفاة أحمد بن أسد (ت 278هـ، 892م) والد إسماعيل الساماني، أي بعد قرنين من انتشار الإسلام في تلك البلاد، فبناء الأضرحة على المقابر كان من الأمور المخالفة للشريعة الإسلامية في ذلك الوقت وتلك البلاد، لكن كسر إسماعيل الساماني هذا الحظر ببناء الضريح، والأمر الأكثر لفتاً للنظر هو أن تصميم العمارة استوحي من العمارة الصغدية قبل الإسلام بتركيبات القباب ذات الأقواس الأربعة، والتشكيلات على قبة الضريح ترمز إلى الشمس المقدسة المعبودة في بلاد الصغد، وبقيت آثارها في معابد عبادة ‘الشمس المشرقة’ في بلاد فرغانة الموجودة من قبل انتشار الإسلام، لكنها ظهرت في حالة المدافعة الثقافية على قبة قصر إسماعيل الساماني.

وبدأت تظهر في العصر الحديث حالة المدافعة والمناقدة الثقافية مع اجتياح الروس لجمهوريات آسيا الوسطى وفرض العقيدة الشيوعية على كل الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية بدلاً من العقيدة الإسلامية، ثم بعد استقلالها بدأ الصراع بين المعتزين بالحضارة الإسلامية والإصلاحيين باتجاه الروس أو الغرب، لكن يظل الشعور بالانتماء إلى الحضارة الإسلامية والاعتزاز بعظمائه طاغياً لدى الجميع بمختلف فئات السكان العمرية.

وتعرف أن كثيراً من القبائل التي خرجت من شبه جزيرة العرب ضمن الفتوحات الإسلامية استقرت في تلك البلاد واستشهد بعض أفرادها وحكم بعضهم الآخر وتزاوجوا عبر القرون المختلفة، ويدل على ذلك أن ستة من أصحاب كتب الصحاح والسنن التسعة من القبائل العربية؛ مسلم بن الحجاج النيسابوري (ت 261هـ) صاحب ‘صحيح مسلم’ من بني قشير، وأبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني (ت 275هـ) صاحب ‘السنن’ من الأزد، ومحمد بن عيسى الترمذي صاحب ‘السنن’ من بني سُليم، وعبد الله الدارمي السمرقندي (ت255هـ) صاحب ‘السنن’ من بني دارم من تميم، ناهيك عن أحمد بن حنبل الشيباني، ومالك بن أنس الأصبحي، والبخاري مولى لبني الجعفي من مذحج القحطانية، وابن ماجة مولى لبني ربيعة، بينما أحمد بن شعيب النسائي من نسا بتركمانستان.

ولهذا نفهم مقاصد بعض طلاب وطالبات الجامعات من الشباب المتطوعين في مؤتمر الحضارة الإسلامية مثل عبد العزيز خيرالله، وعمران، والطالبة مدينة، وجلال الدين حين يستقبلون الضيوف المشاركين من السعودية قائلين بالعربية: ‘مرحبا بكم أساتذتنا وآباءنا ضيوف الإمام البخاري’.