الرئيسيةعربي و عالميواشنطن تجدد الملاحقة: بنك ملي تحت...
عربي و عالمي

واشنطن تجدد الملاحقة: بنك ملي تحت المجهر في عقوبات تستهدف تمويل إيران

28/08/2026 17:01

في إطار الجولة الأخيرة من العقوبات الاقتصادية الرامية إلى تضييق الخناق على إيران، ركز وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت بشكل خاص على بنك ملي، المصرف الإيراني العريق. ويسعى بيسنت إلى جعل هذا البنك نموذجاً للحملة التي تشنها إدارته على ما تسميه ‘بنوك الظل’ الإيرانية. كما هدد بيسنت بفرض عقوبات اقتصادية قاسية على أي دولة لا تمتثل للمطالب الأمريكية بإغلاق أنشطة البنك.

بنك ملي: أقدم بنك إيراني وأكبر شبكة فروع

يوم الاثنين الموافق 24 آب/أغسطس الجاري، كشفت الإدارة الأمريكية عن حزمة عقوبات جديدة أطلقت عليها اسم ‘يوم النصر الاقتصادي’ بهدف خنق إيران. وحرص بيسنت على تسمية بنك ملي (المصرف الوطني) صراحة، وجعله هدفاً رئيسياً في مسعى وزارته لملاحقة المؤسسات المالية الإيرانية. صرح بيسنت قائلاً بالحرف: ‘يجب إغلاق جميع وكالات بنك ملي في الخارج’، مضيفاً أن أي دولة لا تجبر هذا البنك الإيراني على وقف أنشطتها على أراضيها ستواجه عقوبات ثانوية.

يمتلك بنك ملي قرابة اثني عشر فرعاً خارج إيران، بالإضافة إلى مشاريع مشتركة في روسيا وأفغانستان. وتتركز معظم هذه الفروع في دول الخليج، مع وجود سبعة منها في الإمارات العربية المتحدة. في أوروبا، يمتلك البنك فرعاً في باريس وآخر في هامبورغ (ألمانيا)، ومكاتب في لندن. ولم تعلق الدول المعنية التي تواصلت معها وسائل الإعلام الأمريكية على خططها حيال العقوبات الجديدة التي تستهدف المصرف.

يقول مهرداد بوروجردي، المتخصص في الشؤون الإيرانية وعميد كلية الآداب والعلوم والتعليم في جامعة ميسوري للعلوم والتكنولوجيا، إن استهداف بنك ملي يعني مهاجمة ‘أقدم بنك إيراني لا يزال يعمل وصاحب أكبر عدد من الفروع في إيران’. تأسس بنك ملي عام 1928 على يد الشاه رضا بهدف إنشاء بنك عام يمنح إيران استقلالاً مالياً عن المؤسسات المالية الخاضعة لمصالح أجنبية، مثل البنك الإمبراطوري الفارسي. ومنذ ثلاثينيات القرن العشرين وحتى ستينياته، أدى البنك دور البنك المركزي الإيراني.

وبحسب بوروجردي، فإن أحد أركان النظام المصرفي الإيراني تاريخياً أصبح الآن في مرمى نيران واشنطن التي تتهمه بأنه أساسي ‘لتمويل البرنامج النووي الإيراني وعمليات الحرس الثوري’.

ليست هذه المرة الأولى التي يتعرض فيها بنك ملي للعقوبات؛ فقد فرضت عليه الولايات المتحدة عقوبات في عام 2007 بتهمة تسهيل تمويل البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين. في أوروبا، فُرضت عليه عقوبات أول مرة عام 2008، ثم سُمح له باستئناف أنشطته بعد اتفاق 2015 الذي قيد البرنامج النووي الإيراني. وفي عام 2025، أعاد الاتحاد الأوروبي إدراج بنك ملي في قائمته للكيانات الخاضعة للعقوبات، متهماً إياه بتسهيل عمليات شركات متورطة في البرنامجين النووي والصاروخي. كما فرضت عليه المملكة المتحدة عقوبات في العام نفسه.

يعلق بوروجردي قائلاً إن ’19 عاماً مضت على تعلم بنك ملي كيف يعيش ويعمل في ظل العقوبات الدولية وفي بيئة معقدة’. قد يكون مفاجئاً أن البنك ما زال يمتلك عدداً كبيراً من الفروع الخارجية، بما في ذلك في فرنسا وألمانيا حيث تسري العقوبات الأوروبية. وتشير صحيفة نيويورك تايمز إلى أن مكاتب لندن لا تزال مفتوحة. يوضح فرزان سابت، الخبير في العقوبات الدولية في معهد الدراسات العليا للتنمية الدولية في جنيف، أن هذه الفروع ربما أُنشئت عندما كان مسموحاً بذلك، وتم الاحتفاظ بها مع تقليص كبير في نشاطها.

شبكة المصرفية الظلية: ملاذ الالتفاف على العقوبات

غير أن معظم الأنشطة المالية غير المشروعة والالتفاف على العقوبات لا يحدث على الأرجح خلف أبواب الواجهات الرسمية لبنك ملي. في أبريل 2026، وصفت وزارة الخزانة الأمريكية نظام ‘المصرفية الظلية’ الذي بنته مؤسسات مالية إيرانية مثل بنك ملي للعمل دولياً. يشرح سابت أن إيران تعتمد في دول مثل الإمارات العربية المتحدة، وخصوصاً دبي، على شبكة من الوسطاء المحليين يُدعون ‘أمناء’ يديرهم محليون، حيث ينشئون شركات وهمية لتنفيذ معاملات مالية لحساب إيران.

في بيان أبريل، صرحت الخزانة الأمريكية عن شبكة قائمة على بنك ملي وتضم عشرات بل مئات الشركات الوهمية في آسيا وخاصة هونغ كونغ. بحسب واشنطن، مكّنت هذه الشبكة إيران من إجراء مليارات الدولارات من المعاملات المالية، بما في ذلك لصالح الحرس الثوري، دون عقاب.

تحديات التعاون الدولي

هل يمكن لملاحقة فروع بنك ملي العالمية أن تضعف هذه الدوائر المالية البديلة؟ يرى مهرداد بوروجردي أن هذه ‘بداية’ فقط. كل شيء يعتمد على تعريف ‘الوجود في الخارج’. توضح سارا بازوباندي، المتخصصة في إيران في معهد سياسة الأمن بجامعة كيل، أن هناك غموضاً حول ما يُعتبر فرعاً؛ فقد لا يكون وكالة رسمية بل مجرد مكتب يعمل من غرفة خلفية مع موظف واحد يمثل بنك ملي. إذا كان بيسنت يقصد تفكيك هذه البنية التحتية بأكملها، وليس فقط الوكالات الرسمية، فإن ذلك ‘سيعقد فعلياً مهمة الجمهورية الإسلامية في الالتفاف على العقوبات الدولية’، كما تؤكد بازوباندي. ففي بعض الأحيان تشكل تلك الغرفة الصغيرة عقدة مهمة في إحدى شبكات ‘بنوك الظل’.

لكن هذا بعيد عن التحقق لعدة أسباب. أولاً، يجب الحصول على نظرة شاملة لجميع ‘المكاتب’ التي فتحها بنك ملي في العالم. ثانياً، بنك ملي ليس الحلقة الوحيدة؛ فالبنوك الإيرانية الأخرى كبنك صادرات – الخاضع للعقوبات لدوره في تمويل جماعات مثل حزب الله بحسب واشنطن – تمتلك أيضاً وكالات في عدة دول.

يشكل نداء بيسنت إلى الدول الأخرى تحدياً دبلوماسياً كبيراً للولايات المتحدة. تقدر بازوباندي أن تحقيق الأهداف سيتطلب ‘تعاوناً دولياً هائلاً، وهو في السياق الحالي ربما المهمة الأصعب’. هل ستطرد روسيا فعلاً بنك ملي من أراضيها من أجل واشنطن؟ بالنسبة لفرزان سابت، قد تكون عقوبات بنك ملي ‘طلقة تحذيرية’، بمثابة إعلان نوايا: تطلق واشنطن النار أولاً على كيانات غير الأكثر أهمية في استراتيجيات الالتفاف الإيرانية لبدء الضغط على الدول المعنية. الفكرة هي تهيئة أذهان الدول – حليفة أم غير حليفة – لتصعيد محتمل للعقوبات ضد التدفقات المالية غير المشروعة للنظام الإيراني، مما يضع الجميع أمام خيار تحديد موقفهم.