تفويض مصري لدعم السعودية دفاعياً.. 3 مسارات عسكرية محتملة بانتظار طلب الرياض

فتح تفويض مجلس النواب المصري للرئيس عبد الفتاح السيسي باتخاذ إجراءات دفاعية لحماية السعودية، إذا طلبت الرياض ذلك، باب التساؤلات حول طبيعة الدعم العسكري الذي يمكن أن تقدمه القاهرة. يأتي ذلك في ظل تصاعد هجمات جماعة الحوثي على المملكة منذ يوليو 2026.
بينما يرى رئيس حزب مصري بارز أن طبيعة هذه الخيارات “لا يمكن التكهن بها” لارتباطها بتقديرات وخطط سرية بين جيشي البلدين، رجح قائد عسكري أردني سابق أن تتحرك القاهرة، في حال طلبت السعودية، عبر ثلاثة مسارات رئيسية تشمل تعزيز الدفاع الجوي، وتأمين المواقع الحيوية والمقدسات، والجاهزية البحرية لضمان سلامة الملاحة في ممرات مثل باب المندب.
إجراءات دستورية غير مسبوقة
خلال أيام 18 و19 و26 أكتوبر 2026، ناقش مجلس النواب المصري في جلسات سرية دعوة الرئيس السيسي، الصادرة في 17 أكتوبر، لعقد برلمان طارئ لمنحه تفويضاً باتخاذ إجراءات دفاعية لحماية السعودية. وجرت هذه المناقشات في وقت تواصلت فيه هجمات الحوثيين بصواريخ باليستية وطائرات مسيرة، أسفرت عن قتلى وجرحى وأضرار مادية.
وفي الجلسة الثالثة، أقر البرلمان التفويض الاثنين الماضي، بالتزامن مع استضافة طهران مباحثات لدول “حلف مكة”، وهي السعودية وتركيا وباكستان، ضمن جهود خفض التصعيد الإقليمي ودعم الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران، وفق مصادر سعودية وإيرانية متطابقة.
وحتى اليوم، لم تصدر بيانات عن الحكومة أو القيادة السعودية تعليقاً على قرار البرلمان المصري. لكن البرلمان العربي، الذي يترأسه السعودي سعد العتيبي، أشاد الثلاثاء بـ”موافقة البرلمان المصري على اتخاذ ما يلزم من إجراءات لدعم المملكة العربية السعودية الشقيقة، دفاعاً عن أراضيها وسيادتها ومقدساتها، في إطار التنسيق والتعاون بين البلدين الشقيقين”. وأكد أن هذه الخطوة تعكس أصالة التضامن العربي ووحدة الموقف في مواجهة الأزمات.
الشهابي: الدفاع لا الاعتداء
رئيس حزب “الجيل الديمقراطي” وعضو مجلس الشيوخ المصري ناجي الشهابي قال للأناضول إن “التفويض الممنوح للرئيس السيسي يستهدف تمكين الدولة المصرية من تقديم الدعم الدفاعي اللازم للسعودية، في إطار التنسيق بين البلدين الشقيقين، وبما يحفظ سيادة المملكة وأمنها وسلامة أراضيها”. وشدد على أن “الموقف المصري يقوم على الدفاع وليس الاعتداء”.
وأضاف الشهابي أن التفويض يعكس عمق العلاقات الاستراتيجية والمصير المشترك بين البلدين، ويؤكد أن الأمن القومي العربي وحدة لا تتجزأ. وأكد على ضرورة أن يتكامل الموقف الدفاعي المصري مع تحرك سياسي ودبلوماسي نشط لاحتواء التصعيد وحقن دماء الأشقاء العرب. وقال إن مصر لا تستهدف الاعتداء على أي دولة عربية، وإنما تتمسك بحق المملكة في الدفاع عن أراضيها، بالتوازي مع بذل كل جهد ممكن لتجنب اتساع دائرة الصراع.
وحول طبيعة الدعم وآليات تنفيذه، أوضح الشهابي أن تحديد هذه التفاصيل ليس محلاً للتكهن، إذ يرتبط بتقديرات المؤسسات المعنية والخطط والتنسيق العسكري بين البلدين، وهي أمور لا يمكن الجزم بتفاصيلها ما دامت غير معلنة.
محمود: ثلاثة مسارات للدعم المصري
الخبير العسكري والاستراتيجي، النائب الأسبق لرئيس هيئة الأركان المشتركة للجيش الأردني الفريق قاصد محمود، رأى أن الإجراءات الدستورية المصرية أظهرت حضور العنوان القومي العربي في المشهد، كرسالة ردعية عالية وواضحة. وأوضح أن المملكة هي من تقرر احتياجاتها الميدانية بناء على طلبها، ليتم التنسيق بشأن تقديم الخدمات المطلوب تنفيذها مع مصر التي تمتلك إمكانيات عسكرية وازنة.
ولفت محمود إلى أن طبيعة التحديات العسكرية لدى السعودية تتجلى في اتساع رقعتها الجغرافية وتعدد أهدافها الحيوية التي تقدر بعشرات الآلاف، ما يجعل التغطية الشاملة بشبكات الدفاع الجوي للمنشآت الحيوية بحاجة إلى إمكانيات هائلة. لكنه استدرك قائلاً إن هناك فرصة أن يتراجع هذا الخطر عن السعودية بعد اجتماع حلف مكة في إيران الاثنين.
وبحسب توقعات محمود، يمكن أن تسير المشاركة المصرية عبر ثلاثة مسارات: تعزيز الدفاع الجوي، وتأمين مواقع ومرافق حيوية ومناطق مقدسة، فضلاً عن إمكانية الجاهزية البحرية لضمان سلامة الملاحة في الممرات الحيوية كباب المندب، إذا اقتضت الضرورة ومصالح الأمن القومي المشترك.
وشدد على أن هذه الخطوة الدستورية تمنح القيادة المصرية الصلاحيات الكاملة لاتخاذ القرارات المناسبة، وتمكن القوات المصرية من وضع الخطط الاحتياطية وتحديد آليات التدخل وإرسال القطاعات العسكرية، سواء في مجالات الدفاع الجوي أو سلاح الجو أو القوات البحرية، متى طلبت السعودية ذلك.
وعن النموذج المصري في المشاركة بالدفاع عن الإمارات، قال محمود إنه كان رمزياً جداً ولم يصل إلى درجة الانفتاح الكبير، ولكن طالما تم المضي في إجراءات دستورية كاملة بشأن الدفاع عن السعودية، فوارد إرسال قطاعات كاملة، دفاع جوي مثلاً أو سلاح جو. لكنه عاد ليؤكد أن هذا يعتمد على ما إذا كانت هناك مشكلة أو نقص في المملكة السعودية، أو إذا زادت الأمور وخرجت عن السيطرة.
سياق تاريخي وإجراءات دستورية
تاريخياً، لعبت الكوادر العسكرية المصرية دوراً محورياً في تأسيس وبناء وتطوير وهيكلة الجيش الإماراتي الناشئ عقب قيام الاتحاد عام 1971، من خلال إرسال المستشارين والضباط والمعلمين لإدارة الكليات والمعاهد العسكرية وتدريب كوادرها. كما نشرت مصر، إبان أزمة الخليج وحرب الكويت (1990-1991)، وحدات وتشكيلات عسكرية داخل الإمارات كإجراء دفاعي وتأميني استراتيجي لحماية أراضيها ومنشآتها الحيوية.
وجاء تفويض البرلمان التزاماً بنص المادة 130 من اللائحة الداخلية لمجلس النواب، التي تنص على أن تكون موافقة مجلس النواب بأغلبية ثلثي عدد الأعضاء على إعلان الحرب أو إرسال القوات المسلحة في مهمة قتالية إلى خارج حدود الدولة، طبقاً للمادة 152 من الدستور، في جلسة سرية عاجلة يعقدها المجلس بناء على طلب رئيس الجمهورية بعد أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني.
وتنص المادة 152 من الدستور على أن رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة، ولا يعلن الحرب ولا يرسل القوات المسلحة في مهمة قتالية إلى خارج حدود الدولة إلا بعد أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني وموافقة مجلس النواب بأغلبية ثلثي الأعضاء. وكان مجلس الدفاع الوطني المصري أقر قبل نحو أسبوع تقديم كافة أشكال الدعم اللازمة والممكنة للسعودية للدفاع عن أمنها واستقرارها.
وجاء ذلك غداة إعلان الرئيس المصري، خلال حفل تخرج دفعة جديدة من الأكاديمية العسكرية في العاصمة الجديدة، أن القاهرة ستنفذ أي إجراء لحماية أشقائها والدفاع عنهم، وإن كان ذلك يحتاج إلى تفويض من البرلمان. وشدد السيسي حينها على أن هذا الحديث لا يستهدف الحرب ولا الهجوم، وإنما الدفاع فقط.
وعاد السيسي ليؤكد، في حديث يوم 21 أكتوبر 2026، أن الجهد العسكري المصري المقترح لتقديم الدعم للسعودية يقتصر على الدفاع عن أراضي المملكة وحدودها فقط، ولا يشمل شن أي هجوم على اليمن. وأكد أن المقصود هو الدفاع عن أراضي المملكة وحدودها، وأراضي أي دولة عربية أخرى إذا طلب من مصر ذلك.
وفي اليوم ذاته، أجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ورئيس جهاز المخابرات العامة اللواء حسن رشاد زيارة رسمية إلى الرياض، حيث التقيا ولي العهد السعودي محمد بن سلمان. وقدما خلال اللقاء رسالة من السيسي تتعلق بالتضامن الكامل مع المملكة، وفق بيان للخارجية المصرية آنذاك.





