الرئيسيةعربي و عالمينقص الكالسيوم يهدد صحة الأطفال في...
عربي و عالمي

نقص الكالسيوم يهدد صحة الأطفال في ظل تحول الأنماط الغذائية

30/07/2026 01:01

في زمن تتسارع فيه التحولات الغذائية وتزداد وتيرة الاعتماد على الوجبات السريعة والمشروبات المصنعة، يبرز سؤال ملح حول مدى حصول الأطفال على احتياجاتهم من الكالسيوم، ذلك المعدن الحيوي الذي يشكل العمود الفقري للنمو السليم للعظام والأسنان. فمع تراجع استهلاك الأغذية الطبيعية لصالح الخيارات عالية السعرات والفقيرة بالعناصر الغذائية، أصبح خطر نقص الكالسيوم يلوح في الأفق بشكل متزايد.

دور الكالسيوم في مراحل النمو الأولى

يُعد الكالسيوم من المعادن الأساسية التي يحتاجها الجسم منذ الطفولة المبكرة، فهو المكون الرئيسي للعظام والأسنان، ويلعب دوراً محورياً في انقباض العضلات، وتنظيم ضربات القلب، ونقل الإشارات العصبية، وعمليات تخثر الدم. وتزداد أهميته بشكل خاص خلال مرحلتي الطفولة والمراهقة، حيث يشهد الجسم نمواً متسارعاً وبناءً للكتلة العظمية التي ستستمر مدى الحياة. وتوصي الإرشادات الغذائية الدولية بأن يحصل الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 4 و8 سنوات على نحو 1000 ملغم من الكالسيوم يومياً، بينما يحتاج اليافعون بين 9 و18 عاماً إلى حوالي 1300 ملغم يومياً. وتتنوع المصادر الغذائية للكالسيوم، وفي مقدمتها الحليب ومشتقاته مثل اللبن والجبن والزبادي، إضافة إلى الخضراوات الورقية الخضراء واللوز والبقوليات والأغذية المدعمة به. ويظل التنوع الغذائي أفضل وسيلة لضمان تلبية احتياجات الأطفال اليومية من هذا العنصر المهم.

الوجبات السريعة تزاحم الغذاء الصحي

لاحظت الدراسات الميدانية أن العديد من الأطفال في مختلف المجتمعات باتوا يميلون إلى استهلاك الأطعمة مرتفعة السعرات والفقيرة بالقيمة الغذائية، مثل رقائق البطاطس والحلويات والمشروبات المحلاة والوجبات السريعة. هذه الأطعمة تمنح شعوراً بالشبع المؤقت لكنها لا توفر العناصر الأساسية التي يحتاجها الجسم للنمو. كما أن الإفراط في تناول المشروبات الغازية وبعض المشروبات السكرية قد يؤدي إلى تقليل استهلاك الحليب وغيره من الأغذية الصحية، مما يزيد من احتمالية نقص الكالسيوم على المدى الطويل.

تحذيرات عالمية من تفاقم النقص

حذرت دراسات عالمية حديثة من اتساع نطاق نقص الكالسيوم حول العالم. فقد أوضحت دراسة نُشرت عام 2024 في مجلة Nutrition & Diabetes استندت إلى بيانات العبء العالمي للأمراض، أن انخفاض تناول الكالسيوم لا يزال يمثل مشكلة صحية مؤثرة في العديد من الدول والمجتمعات. كما أشارت مراجعة علمية دولية نشرتها أكاديمية نيويورك للعلوم إلى أن ما يقارب نصف سكان العالم لا يحصلون على كميات كافية من الكالسيوم من غذائهم اليومي. وتؤكد الأبحاث أن نقص الكالسيوم خلال مرحلة الطفولة قد يرتبط بضعف بناء العظام والأسنان، ويزيد من خطر الإصابة بمشكلات النمو وبعض اضطرابات الهيكل العظمي. ودعت التوصيات العالمية الخاصة بالوقاية من الكساح إلى ضرورة توفير كميات كافية من الكالسيوم للأطفال، مشيرة إلى أن الانخفاض الشديد في استهلاكه يمثل أحد العوامل المهمة المرتبطة بظهور مرض الكساح الغذائي. وفي عام 2024 أيضاً، كشفت دراسة عالمية واسعة النطاق تناولت أوضاع المغذيات الدقيقة في 185 دولة، أن الكالسيوم يعد من أكثر العناصر التي يعاني السكان من نقصها عالمياً، مما يسلط الضوء على أهمية تعزيز الوعي الغذائي لدى الأسر والمدارس على حد سواء.

كيف يعوض الجسم نقص الكالسيوم؟

من المثير للاهتمام أن الجسم يحافظ على مستوى الكالسيوم في الدم بدقة شديدة؛ فإذا لم يحصل الإنسان على كمية كافية من الغذاء، يبدأ الجسم بسحب الكالسيوم من العظام لتعويض النقص، وهو ما قد يؤدي مع الوقت إلى ضعف كثافة العظام وزيادة خطر الإصابة بالهشاشة. لذلك يمكن القول إن العظام هي أكبر مستهلك ومخزن للكالسيوم في الجسم، خصوصاً لدى الأطفال واليافعين الذين يمرون بمرحلة بناء الهيكل العظمي والنمو السريع. ولضمان حصول الأطفال واليافعين على احتياجاتهم من الكالسيوم، ينصح بالحرص على تناول الحليب أو مشتقاته يومياً، وتشجيع الأطفال على تناول وجبة إفطار متوازنة، وتقليل استهلاك المشروبات الغازية والوجبات السريعة، والاهتمام بالخضراوات الورقية والبقوليات ضمن الوجبات اليومية. كما أن ممارسة النشاط البدني والتعرض المعتدل لأشعة الشمس يساعدان في الاستفادة المثلى من الكالسيوم عبر دعم مستويات فيتامين (د) الضروري لصحة العظام.

الخلاصة: إن بناء عظام قوية لا يبدأ في مرحلة البلوغ، بل في سنوات الطفولة الأولى. وكلما حرصت الأسرة على توفير غذاء متوازن وغني بالكالسيوم، زادت فرص الأبناء في التمتع بصحة أفضل وحياة أكثر نشاطاً في المستقبل. فالكالسيوم ليس مجرد عنصر غذائي، بل ضرورة لصحة الأجيال القادمة. كما أن الجمع بين التغذية المتوازنة والنشاط البدني المنتظم يساعد على زيادة الكتلة العظمية لدى الأطفال واليافعين، مما ينعكس إيجاباً على صحة العظام ويقلل من احتمالات الإصابة بالمشكلات المرتبطة بضعفها في المستقبل.