رحيل كمال بن عبدالله باعقيل السقاف: أثر لا يزول في القلوب

نادرون الذين يتركون بصمتهم حية داخل الذاكرة، وعند رحيلهم يظلّون حاضرين بمواقفهم التي لا تُمحى. هكذا كان السيد كمال بن عبدالله باعقيل السقاف، المعروف بأبي محمد، الذي شكّل لي أخاً وصديقاً وجاراً ورفيق درب، وفاجأني بغيابه المفاجئ بعد علاقة امتدت لأكثر من ثلاثين عاماً من المحبة الصادقة.
البداية المهنية
في أول يوم عمل لي، الموافق 23 مارس، انضممت إلى إدارة الهندسة الصناعية والنظم بقطاع شؤون الموظفين في الخطوط السعودية. كان كمال هو أول من استقبلني، معلمًا صبورًا ونصوحًا، غرس فيّ قيم المهنية والانضباط والالتزام والاحترام والجودة، حتى ارتقيت لاحقًا إلى منصب مديري المباشر.
إنسانية لا تضاهى
لم يكن مجرد زميل عمل؛ بل كان مدرسة في الأخلاق، يجمع بين الهدوء والرقي وخفة الظل التي أدخلت البسمة إلى القلوب. كان قريبًا من الجميع، يستمع أكثر مما يتكلم، ويواسي أكثر مما يشتكي.
دعم كمال مسيرتي التعليمية والعملية باستمرار، وكانت كلماته حافزًا يؤمن بالقدرات الكامنة في من حوله. ما زالت عبارته “أبغاك يا ياسر في أعلى الدرجات العلمية والعملية” تدقّ في ذاكرتي، وقد تحقق ذلك بفضل الله.
محاولة الشفاء وإيمان راسخ
أتذكر لحظة تعرضه لوعكة صحية مفاجئة داخل مكتبه، حيث نُقل إلى الطوارئ وخضع لعملية قلب مفتوح. إيمانه وثقته بمولاه كانا أقوى من الألم، وكان دوماً يذكر فضل الله تعالى، مؤكدًا أن الدعاء والتوكل يصنعان الأمل من اليأس والفرج من الشدة.
كان مكتبه ملتقى للزملاء بعد صلاة الظهر، يتردد عليه من مختلف الإدارات محملين بالهموم. كان يصغي إلى شكاواهم بقلبه قبل أذنيه، يخفف عنهم ما يستطيع، ويُبدّل الابتسامة بعبارة: “لعل الله ينفس كربهم”.
نصائح وإرشادات لا تُنسى
رآى في خدمة الناس عبادة خفية، وفي الوقوف إلى جانبهم مهمة إنسانية. خلال عدة محطات مهنية واجتماعية ودراسية، كان هو أول من يسانده، يزيل العقبات ويقول: “لعلها خير.. وضيفها لخبراتك”.
كان الأكثر إلحاحًا في نصحه إكمال نصف ديني، وكان يكرر أن الرزق يكثر بالزواج والذرية. شجعني على أن أكون جاره في السكن كما كان زميله في العمل، ودعاني لاقتناء فيلا في حي أبحر الشمالية، مؤكدًا أن لا شيء مستحيل سوى كلمة “مستحيل”. وقد تحقق ذلك بفضل المولى.
الوداع الأخير
في يوم الأحد الثامن والعشرين من ذي الحجة من عام 1447هـ، انتقل كمال إلى رحمة خالقه. لا يزال الدمع يملأ العين والقلب يثقل بالحزن، ولا يجرؤ أحد على قول سوى ما يرضي الله. إن فراقه محزن، لكن يبقى أثره باقيًا في نفوسنا.
أعترف بالجميل الذي تركه، وأدعو له بالرحمة والمغفرة، سائلًا الله أن يسكنه فسيح الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وأن يجعله من أصحاب الرضا. غاب كمال كأثر، لكنه سيظل حاضرًا في أرواحنا كصديق حميم.





