تحولات قطاع المؤتمرات بين التحديات والآفاق في المملكة

بعد قرنٍ ونصف من العمل المتواصل في مجال المؤتمرات والمعارض وتداخل الإعلام مع النشاط الخاص، أدركت أن نجاح أي فعالية لا يقتصر على جدول زمني مكتمل أو قاعة مزدحمة؛ بل هو تجربة تحويلية تُنشئ جسوراً بين العقول وتدفع النمو الاقتصادي إلى الأمام، وقد تكون مرآة تعكس جودة تطلعاتنا ومستقبلنا.
الواقع العالمي للقطاع وتحدياته
تشهد الصناعة العالمية للمؤتمرات والاجتماعات (MICE) نمواً ملحوظاً، إذ تُقَدَّر قيمتها بحوالي 945.59 مليار دولار في العام 2025، وتُتوقع أن ترتفع إلى 1.83 تريليون دولار بحلول عام 2033، بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 8.6٪ وفقاً لتقارير Grand View Research. هذه الإحصاءات تبدو واعدة، إلا أنها لا تُظهر الصعوبات اليومية التي يواجهها المنظمون.
من أبرز العقبات التي تقف أمام القطاع هي التكاليف العالية، ما يجعل البحث عن رعاة موثوقين سباقاً مع الزمن. كما أن رسوم التسجيل قد تصل إلى مبالغ مرتفعة، خصوصاً للمت{}اعدين من الدول
قضايا هيكلية تؤثر على النمو
وبينما يستمر السوق العالمي في التوسع، لا تزال المشكلات الهيكلية تعيق تقدم هذا القطاع، لاسيما بعد تفشي جائحة كوفيد-19 التي وضعت الصناعة عند مفترق طرق.
إحدى المشكلات المتكررة هي ارتفاع تكاليف التنظيم، ما يفرض ضغطاً على السعي للحصول على رعاة موثوقين. كذلك، يواجه المشاركون صعوبات بسبب الرسوم التي قد تصل إلى مبالغ باهظة، خاصةً للباحثين من الدول النامية.
من جهة أخرى، يصعب جذب المتحدثين البارزين نظراً لجدولهم المزدحم ومتطلباتهم المالية، وهو ما يزيد من تعقيد عملية التخطيط.
المؤتمرات المفترسة وتأثيرها السلبي
من التجارب السلبية التي شهدتها، انتشار ما يُعرف بـ«المؤتمرات المفترسة». تبدو هذه الفعاليات علمية على السطح، إلا أنها تُنظَّم في الأساس لتحقيق أرباح، وتخدع آلاف الباحثين سنوياً، مما يُهدر أموالهم ووقتهم في مؤتمرات تفتقر إلى مراجعة علمية حقيقية.
في كثير من الحالات لا توجد لجنة تحكيم رصينة لضمان جودة الأوراق المقدَّمة، وهذا لا يعني أن الربحية بحد ذاتها مرفوضة، بل يجب ألا تطغى على الأهداف العلمية السامية.
التداخل الزمني للفعاليات
تتزامن أحياناً مواعيد الفعاليات الكبرى، ما يحرم الحضور من المشاركة في أكثر من حدث والاستفادة المتعددة، وهو ما يستدعي تنسيقاً أفضل في الجدولة.
التحول في المملكة وفق رؤية 2030
في المملكة العربية السعودية، يختلف المشهد تماماً بفضل رؤية 2030 التي حولت قطاع المؤتمرات من نشاط جانبي إلى محرك اقتصادي واعد. وفقاً لتقارير MarkNtel Advisors، بلغ حجم سوق MICE في المملكة حوالي 2.6 مليار دولار في عام 2024، ومن المتوقع أن يصل إلى 4.6 مليار دولار بحلول عام 2030، بمعدل نمو سنوي مركب يقارب 11٪، وهو أعلى من المعدل العالمي.
شهدت المملكة تحولاً ملحوظاً عبر استثمارات ضخمة في مراكز المعارض بالرياض، وجدة، والخبر، بالإضافة إلى مشاريع نيوم والقدية، وتسهيلات التأشيرة الجديدة التي جعلتها وجهة جذابة للفعاليات الكبرى مثل LEAP، ومبادرة مستقبل الاستثمار، ومؤتمر جوي أوورد، والمؤتمر السعودي للإعلام، وملتقى الصحة العالمي، وغيرها.
على الرغم من هذا التقدم، يبقى التحدي الرئيسي هو بناء كوادر سعودية متخصصة وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية.
خمس محاور للارتقاء بقطاع المؤتمرات في المملكة
من وجهة نظري، يمكن تحسين السوق من خلال التركيز على خمسة عناصر عملية:
- التخطيط المبكر والذكي: يبدأ عادةً العمل على الفعالية قبل 18 شهراً، مع تشكيل لجنة متوازنة وتحديد أهداف واضحة، وإعداد ميزانية تشمل هامش احتياطي لتغطية التكاليف النهائية، مع الاعتماد على نسب عالمية معتمدة.
- النماذج الهجينة المدروسة: لا يقتصر الأمر على البث المباشر، بل على تجربة متكاملة تستفيد من الذكاء الاصطناعي لتخصيص المحتوى وتفعيل التفاعل.
- الاستدامة كميزة تنافسية: اعتماد معايير ISO 20121، اختيار مواقع صديقة للبيئة، والحد من الطباعة والنفايات؛ فالمشاركون اليوم يفضلون الفعاليات المسؤولة بيئياً.
- الشراكات الحقيقية: السعي إلى تحالفات طويلة الأمد مع الجامعات والهيئات الحكومية والقطاع الخاص، وليس مجرد رعاة مؤقتين.
- قياس الأثر: استعمال أدوات تحليل البيانات لتقييم العائد على الاستثمار، وجمع آراء المشاركين بصورة منهجية لضمان التحسين المستمر.
بالإضافة إلى ذلك، يجب أن ترتقي الجهات الرسمية المانحة للتراخيص إلى رفع مستوى المتطلبات لتتماشى مع الطموحات، دون تعقيد الإجراءات، بل بتحسين ما يرفع من جودة الفعاليات لتصل إلى معايير عالمية تجعل المملكة نموذجاً يُحتذى به.
ختاماً، لا يُنظر إلى تنظيم المؤتمرات كصناعة بحد ذاتها فحسب، بل كاستثمار في المستقبل البشري. إذا ما تم تجاوز العقبات بالابتكار والتعاون، فإن القطاع سيشهد عهداً ذهبياً جديداً، والفرصة الآن بين أيدينا لاغتنامها بحكمة.





