الرئيسيةكتاب و آراءالنرجسية من مفهوم طبي إلى أداة...
كتاب و آراء

النرجسية من مفهوم طبي إلى أداة للصراع الاجتماعي

21/06/2026 21:01

يوم الأحد الموافق 21 يونيو 2026

من المصطلح العلمي إلى الحكم الاجتماعي

اليوم لم تعد المحادثات بين الشريكين تسعى لفهم الاختلاف أو تهدئة الوضع، بل تنتهي سريعاً بوضع تشخيص نفسي جاهز يُلصق بالطرف الآخر بثقة تامة، كما لو أن العلاقات البشرية أصبحت جلسات تقييم مستمرة؛ فعبارة حادة، أو رأي مختلف، أو رغبة في التحكم بالقرار، أو صعوبة في التعبير عن المشاعر، قد تكفي أحيانًا لتصنيف الرجل على الفور بأنه (نرجسي)، دون التفريق بين اضطراب نفسي معقد وطبيعة بشرية متنوعة أو زلات عابرة تحدث في أي علاقة.

خلال السنوات الأخيرة انتقلت بعض المصطلحات النفسية من بيئتها البحثية الدقيقة إلى التداول الجماهيري الواسع عبر المنصات الرقمية، فصارت تُستعمل كأحكام اجتماعية سريعة أكثر من كونها مفاهيم تخصصية تحتاج إلى فهم وتشخيص وضوابط مهنية؛ لم يعد الناس يتحدثون عن الخلافات بقدر ما يتحدثون عن (النرجسية)، (السمية)، (التلاعب)، (العلاقات المؤذية)، وكأن الحياة الزوجية تحولت إلى مساحة مراقبة وتحليل دائم، يعاد فيها تفسير كل تصرف من زاوية نفسية حادة ومتوترة.

دور المحتوى الرقمي في تضخيم الظاهرة

المشكلة ليست في الوعي النفسي نفسه؛ فالعلم النفسي الرصين يسهم في فهم الإنسان، وتحسين العلاقات، وحماية الأفراد من الأذى الحقيقي، غير أن الخلل يبدأ حين تُختزل المفاهيم العلمية المعقدة في مقاطع قصيرة وبثوث يومية تقدم تشخيصات عامة وسريعة، يتلقاها الجمهور بوصفها حقائق نهائية قابلة للتطبيق على الجميع، فيفقد المصطلح عمقه العلمي ويتحول تدريجياً إلى أداة اجتماعية تُستخدم أثناء الغضب والخلاف والانفعال أكثر مما تُستخدم في الفهم والمعالجة.

أسهم بعض صناع المحتوى، الذين يخلطون بين التوعية والإثارة، في تضخيم هذا المناخ؛ إذ تُطرح العلاقات parfois بلغة تجعل الشك هو الأصل، والتوجس هو القاعدة، والخطأ العابر مؤشرًا على خلل نفسي خطير، ومع كثافة هذا المحتوى بدأت بعض النساء وكذلك بعض الرجال ينظرون إلى شركائهم بعين التشخيص المستمر، لا بعين الفهم الإنساني الطبيعي، ومن هنا تصبح العلاقة مرهقة لأن أحد الطرفين لا يعود يناقش السلوك نفسه، بل يناقش (هوية نفسية) كاملة ألصقت بالطرف الآخر.

الآثار على العلاقات وسبل العلاج

والنرجسية بوصفها مفهوما نفسيا ليست وصفًا عابرًا لكل شخصية قوية أو حازمة أو مختلفة في أسلوب التعبير، كما أنها ليست تهمة جاهزة تستخدم كلما غابت الرومانسية المثالية، أو تعثر التواصل، أو ظهر التقصير البشري المعتاد؛ فالعلاقات الإنسانية بطبيعتها معقدة، وفيها تفاوت في الطباع، واختلاف في طرق الحب والتعبير والانفعال، ولا يمكن اختزالها في مقاطع مختصرة تقدم الحياة وكأنها معادلات نفسية حاسمة وسهلة.

والأخطر من ذلك أن بعض المنصات باتت تعيد تشكيل صورة الرجل داخل الوعي الجمعي بصورة مضطربة؛ إذ يقدم أحيانًا بوصفه مشروع أذى محتمل يجب الحذر منه وتحليل سلوكياته باستمرار، ومع تراكم هذا الخطاب تتآكل مساحة التلقائية والثقة داخل العلاقة الزوجية، ويحل محلها نوع من الترصد النفسي الذي يفسر كثيرًا من التصرفات خارج سياقها الطبيعي، ومن هنا تتحول المعرفة النفسية من أداة للفهم إلى مصدر إضافي للقلق والتوتر والانقسام.

ولا يمكن تجاهل مسؤولية بعض الحسابات التي تقدم محتوى نفسيا أو أسريا دون تأهيل كاف، أو التي تتعامل مع المفاهيم العلمية بوصفها أدوات جذب جماهيري تحقق الانتشار والتفاعل؛ فالمصطلحات النفسية حين تبتذل إعلامياً تفقد قيمتها العلمية، وتتحول إلى (ملصقات اجتماعية) جاهزة، تستخدم في الخصومات أكثر مما تستخدم في الإصلاح، وهذا يضر بعلم النفس نفسه قبل أن يضر بالعلاقات الإنسانية.

إن المجتمع بحاجة فعلية إلى الوعي النفسي، وإلى المختصين الحقيقيين، وإلى بناء ثقافة صحية تحمي الإنسان من الأذى والتلاعب والاضطرابات المؤذية، غير أن الوعي الحقيقي لا يقوم على التخويف، ولا على تحويل الناس إلى متهمين نفسيين، ولا على إقناع الأزواج بأن كل خلاف دليل مرض، أو أن كل تقصير علامة نرجسية؛ فالحياة البشرية أوسع وأعقد وأكثر رحمة من هذا الاختزال الحاد.

وما تحتاجه الأسرة اليوم ليس مزيدًا من التشخيصات الجماهيرية، بل مزيدًا من النضج، والاتزان، والفهم الهادئ للطبيعة الإنسانية؛ فبعض المصطلحات حين تخرج من سياقها العلمي، وتدخل إلى ساحات الانفعال اليومي، قد تتحول من أدوات للوعي إلى أسلحة اجتماعية تستخدم بلا رحمة، وتترك داخل البيوت ندوبًا أعمق بكثير مما نتخيل.