الرئيسيةكتاب و آراءغياب الحكيم: تأملات في ندرة الرشد...
كتاب و آراء

غياب الحكيم: تأملات في ندرة الرشد وسط زحام الخلافات

06/08/2026 05:01

في خضم الأحداث المتلاحقة، وتشابك العلاقات الإنسانية، واختلاط الأمور بحيث يطغى الانفعال على التأمل، يبرز سؤال جوهري: هل افتقدنا ذلك الإنسان الحكيم في محيطنا؟ وأين ذاك الرجل الرشيد وتلك المرأة الواعية اللذان يُلجأ إليهما وقت اشتداد النزاع، طلبًا للإصلاح، وثقة بحسن الرأي وسلامة القصد؟

من هو الحكيم حقاً؟

الحكيم ليس لقبًا يُمنح بفضل العمر أو المنصب، ولا هو الشيب ولا الصوت الأعلى؛ بل هو شخصية تصف الرجل الذي تظهر فيه رجاحة العقل، واتزان القول والفعل، وعدالة الموقف، وحسن التصرف، فلا يتعجل في حكمه، ولا يقدم مصلحته الشخصية ولا ينتصر لموقفه أو ذاته. وكذلك الحكيمة هي تلك المرأة التي تجمع ولا تفرق، وتتأنى ولا تستبق الأحداث، وتبني جسور التفاهم قبل أن تتفاقم المشكلات، وتدرك أن الكلمة الطيبة كالماء تروي العطش وتزيل الجفوة.

سببان رئيسيان وراء الخلافات

في حياتنا الأسرية والعائلية، وبين الصداقات، وفي الاجتماعات، لا تخلو المجالس من اختلافات قد تتطور إلى خلافات. ومن خلال تأمل المشهد العام، يبدو أن كثيرًا من هذه الخلافات يعود لسببين أساسيين. الأول: التدخل فيما لا يعنينا وتجاوز حدودنا تجاه الآخرين، فكم من علاقة فسدت بسبب كلمة لم نحسن قولها، أو رأي لم يُطلب منا، أو تدخل في شأن ليس لنا به علاقة. أما السبب الثاني: عدم احترام الذات، وبالتالي انعدام احترام الآخرين؛ فالإنسان الذي يعرف قدر نفسه، يضبط انفعالاته ويحترم حدوده، ويكون أجدر على احترام حقوق غيره. وعندما يغيب الوعي، تتحول العلاقات إلى ساحات من التنافس والخصومات، ويصبح الحوار وسيلة للانتقام بدلاً من أن يكون طريقًا للالتزام.

قاعدة نبوية عظيمة

وضع النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم قاعدة أخلاقية عظيمة حين قال: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». هذا الترك المذكور في الحديث ليس دعوة للانغلاق، بل لاحترام الخصوصية، بضبط اللسان، وتقنين السلوك، وإدراك الحدود. وحين تقع النزاعات، تبرز الحاجة إلى تلك الشخصية الحكيمة التي تحضر وقت الحاجة، تمتلك البصيرة والرؤية المستنيرة، تجمع بين الإنصاف والاعتراف، تستمع أكثر مما تتحدث، وتصلح دون أن تتحيز.

الحكمة رغم الندرة لا تزال موجودة

يبدو أن الشخصية الحكيمة اليوم نادرة الحضور، بعدما اختلطت الأصوات وتداخلت الأدوار، وأصبحت العلاقة عكسية بين الحكمة والخبرة، فكم نرى بعض كبار الأعمار يفتقدون القدرة على اتخاذ القرار، ومن ننتظر منهم الإصلاح يزعزعون الاستقرار. ومع ذلك، فإن الحكمة لا تزال موجودة، تبحث عمن يبحث عنها، وتظهر في المواقف الصادقة، وفي النفوس التي تؤمن بأن الإصلاح كرامة، وأن الكلمة أمانة، وأن حفظ العلاقات صيانة أولى بكثير من كسب الجدال وكثرة القيل والقال. علاقاتنا اليوم بحاجة لمن يتحلون بالحكمة ويعيدون لعلاقاتنا البينية قيمتها الأصلية؛ فالحكمة ليست تنظيرًا وشعارات ولا تعبيرًا وكلمات تقوم على المجاملات الباهتة والوجوه البائسة والاحتقانات الغائرة والقلوب المتنافرة. الحكمة ثلاثية التكوين: تبدأ بنية صادقة، ورؤية نافذة، ومشاعر إنسانية واثقة؛ متى ما اكتملت أضلاعها تحقق مرادها.