الرئيسيةمنوعاترحلة البحث عن الذات بين الظلال...
منوعات

رحلة البحث عن الذات بين الظلال والأسئلة

15/06/2026 23:01

في صباح يوم ثلاثاء، ارتفعت خطواتي كأنها تمشي بثقة أمام المتفرجين، إلا أن صدى الأسئلة يتعالى في داخلي كأنسجة المساء المتراكم. كلما شعرت أنني أقترب من معنى ما، وجدت نفسي أمام باب يفتح على سؤال جديد.

تجربة الطريق غير المرسوم

لطالما رسمت في مخيلتي خريطة حياة واضحة، مليئة بالإشارات التي تدل على متى نتوقف ومتى نستمر، وأي منعطف قد يقود إلى النجاة. لكن مع كل خطوة أقطعها، أدرك أن المسار الحقيقي لا يحمل دليلًا ولا تعليمات، وأن الإنسان يُلقى في منتصف الرحلة قبل أن يتقن فن المشي.

وجوه العابرين وأسرارهم

أنظر إلى وجوه المارة وأظن أنهم يملكون وجهات محددة، إلا أنني أكتشف أن لكل منهم متاهته الخاصة. بعضهم يبرع في إخفاء ضياعه خلف ابتسامة، وآخرون يواصلون السير لأن التوقف يثير فيهم رعبًا أكبر من الاستمرار. أما أنا فما زلت أعيش حالة أسيرٍ للذات.

سحب الأحلام والخيبات

أحمل معي سنوات من الأحلام التي تأجلت، والخيبات التي لم تنقرض، وأسئلة ما زالت تفتقر إلى إجابة. أجد نفسي أتساءل: هل أبحث عن الطريق أم أن الطريق هو من يبحث عني؟ في ليالٍ طويلة أشعر فيها أن الحياة مجرد عبور بين غيبين لا نتذكر أصولهما ولا نعرف نهايتهما، وبينهما نحاول صُنع معنى يكفي لتحدي الفراغ.

الأمل في الظلام

رغم كل ذلك، أستيقظ كل صباح وأواصل المسير، ليس لأنني أعرف النهاية، بل لأن شيئًا خفيًا يهمس بأن المعنى لا ينتظر عند آخر الممر، بل يتشكل تحت أقدامنا ونحن نمضي. أحيانًا أتساءل: ماذا لو لم يكن هناك طريق أصلاً؟ ماذا لو كانت الحياة مجرد سلسلة من الخطوات المتفرقة التي نجمعها بمرور السنين لتكوين قصة واحدة؟

كم من الأشياء ضاعت في سعيي للعثور على نفسي، وكم من الأبواب أغلقت خلفي دون أن أدرك ما إذا كنت أنا من غادرها أم هي التي غادرتني. تغيرت كثيرًا حتى أن النسخة القديمة مني صارت غير معروفة؛ الفتاة التي كانت تؤمن بأن لكل شيء تفسير، تحولت إلى كيان يراقب العالم بعين أكثر حذرًا.

تعلمت أن بعض الأسئلة لا تجد إجابة، وأن بعض الجروح لا تلتئم تمامًا، بل نتعلم كيف نحملها دون أن تعيق تقدمنا. وفي أحلك اللحظات، حين يبدو الطريق بلا حد، أكتشف أن الأمل ليس صرخة مدوية كما تصورنا يوماً، بل هو ضوء خافت يرفض الانطفاء مهما اشتدت الرياح.

وهكذا أواصل السير في طريقي غير المعروف، لا أسعى إلى يقين مطلق ولا إلى نهاية مثالية، بل إلى اكتشاف نفسي، إلى ذلك الجزء الذي لا يزال يؤمن بأن الرحلة تستحق العيش، حتى وإن بقت وجهتها غامضة. ربما، عندما أصل إلى محطّة ما، أدرك أن أجمل ما في الطريق لم يكن الوصول، بل النسخة المتجددة التي ولدتني في كل منعطف.