الرئيسيةمحلياترسالة إلى المسؤول بين الرؤية والمرآة
محليات

رسالة إلى المسؤول بين الرؤية والمرآة

28/06/2026 07:01

ليس نقص القواعد هو السبب الدائم لتدهور الأداء في المؤسسات؛ فغالبًا ما تكون المشكلة نابعة من قلة الإخلاص لدى من يتولون تنفيذ تلك القواعد. فالأنظمة العادلة قد تُستَخدم بأيدي غير نزيهة، فتتحول من مقياس للإنصاف إلى أداة للسلطة، ومن قيمة سامية إلى وسيلة لتحقيق مصالح شخصية، ومن دعوة إلى عمل بارد يفتقر إلى الروح.

المفارقة في الجهود الإصلاحية

ومن أكثر المشاهد إيلامًا أن بعض المبادرات الإصلاحية لا تتعثر أمام معارضين بل أمام الذين يرفعون علمها. ليس كل من يعتنق فكرةً ما يصدقها بصدق، ولا كل من ينطق بالعدالة يعيشه، ولا كل من يمتلك صلاحية اتخاذ القرار يملك الضمير المتناسب مع تلك الصلاحية. كثيرًا ما يظن القادة أن نور الإصلاح وصل إلى جميع الزوايا، بينما تبقى بعض الممرات غارقة في الظلام.

تعديل الخطط وتحوّل الأهداف

تُرسم الخطط بدقة ثم تعيد أيدي أخرى تشكيلها وفق مقاييسها الخاصة. يُبذل جهد كبير لإرساء ميزان مستقيم، لكن أهواء البشر تضغط بخفة على أحد كفتيه. قد ينجح الإنسان في تزيين اللوائح وتجميل الأرقام، لكنه لا يستطيع إخفاء الأثر الذي يتركه في حياة الآخرين.

قيمة الشعور المؤسسي

المؤسسات لا تُقاس فقط بما توثقه من مستندات، بل بما يشعر به الموظفون عندما يغلقون مكاتبهم في نهاية اليوم. هناك أمور لا تظهر في الجداول الإحصائية؛ لا كفاءة تُدفع إلى الخلف، ولا إنصاف يتراجع أمام المجاملة، ولا إحباط يتحول إلى تملق، ولا صمت ثقيل يختاره المخلصون عندما يدركون أن أصواتهم لا تصل بوضوح كصوت الآخرين.

الخطر الحقيقي وإصلاح الروح

الأخطاء الإدارية العابرة جزء من الطبيعة البشرية ولا تشكل الخطر الرئيسي. الخطر الحقيقي يظهر عندما يتحول المنصب من مسؤولية إلى امتياز، ومن أمانة إلى ملكية خاصة، ومن موقع لخدمة المصلحة العامة إلى مساحة ضيقة تدور حول الأشخاص لا المبادئ. حينها تفقد المؤسسة روحها وتضيع الثقة الصامتة التي تجعل الموظف يشعر أن جهده سيُقاس بمعيار موحد.

العدالة ليست بندًا في لائحة، بل مناخًا كاملًا تتنفسه المؤسسات. إذا اضطرّ هذا المناخ، قد تبدو الأوراق سليمة لكن الأرواح التي تعمل خلفها تبدأ بالذبول. يشبه المسؤول صاحب مرآة كبيرة؛ يرى الصورة المنعكسة لكنه قد لا يدرك إذا كان الزجاج نفسه مشوهاً. لذا فإن أعظم القادة عبر التاريخ هم الذين لم يكتفوا بالنظر إلى الصورة، بل سعى لضمان سلامة المرآة.

الحقيقة لا تضيع عادة عند مصدرها، بل قد تضيع عند من ينقلها. لا يُهزم العدل أمام الظلم الصريح فحسب، بل أمام من يخفون انحيازاتهم. ولا يجرح الإخلاص إلا الادعاء. ليس كل من يرفع شعارات المؤسسة يحمل قيمها، ولا كل من يتحدث باسمها يجسد جوهرها.

النجاحات لا تتعثر عندما يقل عدد المخلصين، بل عندما تتشابه الوجوه ويصبح التمييز بين من يخدم الفكرة ومن يستخدمها صعبًا. يبقى الرهان الحقيقي في أي مشروع إصلاحي على الإنسان، وعلى الضمير قبل الصلاحية، وعلى النزاهة قبل النفوذ. يمكن للسلطة أن تمنح منصبًا، لكنها لا تمنح ضميرًا؛ يمكن للسلطات أن توضع بين الأيدي، لكنها لا تزرع في القلب صدقًا.

القرارات قد ترسم الطريق، لكنها لا تضمن سلامة من يسلكه. الثقة في المسؤول تكبر عندما يفتح النوافذ لصوت الواقع، كما يفتح الأبواب لصوت التقارير. الفجوة بين التخطيط والنتيجة ليست دائمًا مسافة قرارات، بل مسافة بشرية؛ وفي هذه الفجوة يتحدد مصير الأفكار: إما أن تصل كما ولدت نقيّة وعادلة، أو تتبدل ملامحها حتى لا يُعرف فيها صاحبها الأصلي.