الذاكرة البصرية لمكة المكرمة: كتب ومبادرات توثق المكان والزمان

الكتب المصورة كمصدر توثيقي
في مدينة مكة المكرمة، تحولت الصور من مشاهد عابرة إلى وثائق تاريخية تسجل ما قد تفقده الكلمات. ومع التوسع العمراني السريع الذي شهدته المدينة خلال العقود الأخيرة، ازدادت قيمة الصور القديمة التي تظهر معالم اختفت وأحياء تغيرت ومشاهد من الحياة اليومية.
الإسهامات المبكرة في التوثيق البصري
يُعتبر الشيخ محمد طاهر الكردي من أوائل من دمجوا التأريخ مع التصوير الفوتوغرافي لمكة المكرمة، فاستخدم صوره النادرة في كتابه الشهير «التاريخ القويم لمكة المكرمة وبيت الله الكريم» الذي صدر في ستة أجزاء، ليكون مرئياً يسجل ما يصفه من وقائع وأوصاف. ورغم أن التصوير سبق الكردي، إلا أن تركيزه على تصوير الأحداث والمعالم العمرانية والدينية جعل عمله مميزاً.
مجموعة من الكتب المصورة البارزة
ومن الأعمال المهمة أيضاً كتاب «مصور في الحج.. رحلات محمد أفندي السعودي 1904–1908م» الذي اعتمد على يوميات وصور محمد أفندي السعودي لتقديم توثيق بصري لرحلة الحج والأماكن المقدسة في مطلع القرن العشرين. وكتاب «الأطلس المصور لمكة المكرمة والمشاعر المقدسة» الذي يضم رسومات وصوراً بالأبيض والأسود وألوان من القرن الخامس الهجري حتى النصف الأول من القرن الخامس عشر الهجري، ويظهر تطورات المسجد الحرام والمشاعر المقدسة عبر العصور. كذلك كتاب «لقطات من المعالم العمرانية لمكة المكرمة والمدينة المنورة والطائف» للأستاذ أنيس شودري، وهو ألبوم مصور يصور معالم عمرانية ومباني لم تعد قائمة اليوم، إضافة إلى صور للمسجد الحرام والمسجد النبوي الشريف بين عامي 1387هـ و1404هـ.
ويبرز كتاب «مكة المكرمة والمدينة المنورة في ألبومات يلديز» الذي يحتوي على صور فوتوغرافية نادرة التقطت بين 1876م و1908م، بما فيها صور بانورامية تعد من أقدم الصور المعروفة للحرمين الشريفين. وكتاب «مكة المكرمة.. صور وعملات نادرة» الذي صدر بمناسبة اختيار مكة المكرمة عاصمة للثقافة الإسلامية عام 2005م، ويجمع صوراً تاريخية نادرة للحرم المكي الشريف وبعض العملات القديمة. وكتاب «درر الجامع الثمين لأعمال الملوك من آل سعود الميامين» الذي يستعرض جهود ملوك المملكة في خدمة وتطوير المسجد الحرام منذ عهد الملك عبد العزيز حتى عهد الملك فهد، مستنداً إلى مجموعة كبيرة من الصور التوثيقية. وكتاب «الحجاج إلى مكة 1325هـ / 1908م» الذي يضم 53 صورة التقطها الدكتور محمد الحسيني، مساعد القنصل البريطاني في جدة، لتوثيق رحلة الحج ومرافقها. وكتاب «المملكة العربية السعودية.. صور وذكريات: مكة المكرمة، المدينة المنورة، الرياض، جدة، الطائف (1297–1385هـ)» الذي جمع أنيس بشير شودري ومحمد أنيس شودري وأكثر من 328 صورة توثق جوانب من تاريخ المدن السعودية. وكتاب «مكة المكرمة والمدينة المنورة.. صور نادرة» الذي يضم صوراً تاريخية من مكتبة الملك عبد العزيز العامة التقطها مصورون مثل محمد صادق بك وأحمر مرزا ومحمد حلمي وسنوك. وكتاب «مكة المكرمة من الجو» الذي قدم رؤية جوية عبر تصوير المصور التركي أورخان خلال مواسم الحج بين 2007م و2009م. وكتاب «مكة المكرمة من السماء.. الماضي والحاضر» الذي صدر عام 1437هـ ويجمع بين صور جوية قديمة وحديثة لمكة المكرمة بفاصل زمني يقارب خمسين عاماً بين 1385هـ و1435هـ، من تأليف الدكتور معراج بن نواب مرزا والدكتور رمزي بن أحمد الزهراني والدكتور محمد معراج مرزا. وكتاب «الأطلس المصور لمكة المكرمة والمشاعر المقدسة الرقمي» من القرن السادس حتى النصف الأول من القرن الحادي عشر الهجري الذي يحتوي على أكثر من 600 صورة ورسمة ويستخدم رموز الاستجابة السريع (QR Code) لربط الرسوم بالمواقع الجغرافية على الخرائط الفضائية.
المبادرات الرقمية والمتاحف المتخصصة
ومع تطور وسائل النشر، ظهرت مبادرات تهدف إلى حفظ الذاكرة البصرية وإتاحة الوصول إليها. فقد انطلق حساب «ذاكرة مكة المصورة» على منصة X عام 2021م تحت إشراف مباشر من موقع «قبلة الدنيا»، ويهتم بالتوثيق الرقمي لصور مكة المكرمة قديماً وحديثاً، بالإضافة إلى التعريف برواد التصوير ومعاصريهم وإبراز إرثهم البصري. وفي عام 2022م تم تدشين «متحف المكتين: بين الفرشاة والعدسة»، أول متحف متخصص يعرض ويوثق صور تاريخ المدينتين المقدستين مكة المكرمة والمدينة المنورة، ضمن مبادرات مؤسسة المداد للتراث والثقافة والفنون وبرعاية وقفية الشيخ صالح حمزة صيرفي، ويهدف إلى حفظ الذاكرة البصرية للمدينتين وتعريف الأجيال بها.
الأهمية المستمرة للتوثيق البصري
في ظل التطور العمراني المتسارع الذي تشهده مكة المكرمة، تزداد قيمة هذه الكتب والألبومات والمبادرات كحافظات للذاكرة البصرية للمدينة المقدسة، حيث تحفظ معالمها للأجيال القادمة وتؤكد أن الصورة تستطيع رواية تاريخ مكة المكرمة وتحافظ على تفاصيل المكان والزمان التي قد يطويها النسيان.





