التجريم الجنائي للحسابات الإلكترونية التي تحرض على العصبية القبلية

تُعَدُّ منصات التواصل الاجتماعي اليوم من أبرز الأدوات التي تُشكِّل الرأي العام، إذ لم تعد مجرد ساحة لتبادل الآراء أو نقل الأخبار، بل أصبحت في بعض الحالات وسيلة تُستَغل لإثارة الانقسام داخل المجتمع. ومن أخطر الأساليب التي تُستَخدم في هذا السياق إنشاء حسابات إلكترونية تتبنى خطاباً متحيزاً يستند إلى العصبية القبلية، ويهدف إلى التحريض على الكراهية وإشعال الخصومات بين مكونات المجتمع.
الأبعاد القانونية للأفعال الإلكترونية التحريضية
لا يقتصر التجريم على الانتماء القبلي أو الفخر بالهوية الاجتماعية، فهذه الجوانب تُعَدُّ ضمن الحقوق المشروعة. إن ما يُجرَّم هو استغلال الوسائل الإلكترونية لترويج خطاب يُثير الكراهية أو يدعو إلى التمييز على أساس الانتماء القبلي. وبالتالي، لا يُقاس الأمر باسم الحساب أو هوية صاحبه، بل بطبيعة المحتوى المنشور، والغاية المقصودة منه، والنتائج التي قد تُنتج عن ذلك. ويُعَدُّ القصد الجنائي عنصراً أساسياً في تصنيف هذه الأفعال قانونياً، ما دام هناك دليل على أن الحساب أُنشئ أو استُخدم لإثارة الفتنة أو التحريض على العداء.
أنماط الحسابات الإلكترونية المحرضة
تتنوع هذه الحسابات بين ما هو فردي زائف يحمل ألقاباً أو أسماءً لفرسان قبائل عربية سابِقة أو أسماء قبائل، إلى ما هو جماعي منظم ينشط عند حدوث أحداث معينة لإطلاق حملات منسقة. تُستَخدم الوسوم لترويج خطاب الكراهية وجذب المتابعين تحت مسمى مناصرة (شاعر قبيلة ما). كما قد تُعيد بعض هذه الحسابات نشر المحتوى التحريضي بصورة مكثفة لإيهام الجمهور بوجود تأييد واسع، مما يزيد من تأثيره وانتشاره.
مسؤولية جنائية تمتد إلى مديري الحسابات والمنظمين
لا تقتصر المسؤولية الجنائية على كاتب المنشور فحسب، بل قد تشمل من يدير الحساب أو يشارك في تنظيم النشاط الإلكتروني أو يساهم بوعي في تنفيذ الحملة التحريضية ضد أي مكوّن من مكونات المجتمع، شريطة توافر أركان المسؤولية المنصوص عليها قانوناً. وتعتمد جهات التحقيق على الأدلة الرقمية مثل سجلات الدخول، والبيانات التقنية، والمراسلات الإلكترونية، والقرائن التقنية لتحديد علاقة الحساب بالمستخدم وتحديد دوره في النشاط المتهم به.
تداعيات الخطاب التحريضي على الوحدة الوطنية
تتجاوز مخاطر هذه الحسابات الإساءة إلى أفراد أو قبائل محددة، لتؤثر سلباً على الوحدة الوطنية وتضعف التماسك الاجتماعي. فالخطابات التحريضية تُفضي إلى استقطاب المجتمع وخلق حالة من العداء، وقد تُستغل من قبل جهات خارجية أو أصحاب أجندات خاصة لتأجيج الخلافات الداخلية. لذا فإن مكافحتها لا تحمِي الأفراد فحسب، بل تدعم حماية النظام العام، وتُسهم في صون السلم المجتمعي وتعزيز قيم الاحترام المتبادل بين جميع مكوّنات المجتمع.
ختاماً، لا تُعَدُّ الحسابات الإلكترونية التي تتحول إلى منصات للتحريض على العصبية القبلية مجرد ظاهرة إعلامية، بل قد تُستَوجَبُ مسؤولية جنائية إذا استوفت الأفعال المنشورة أركان الجريمة المنصوص عليها قانوناً. وبالتالي، يُعَدُّ الاستخدام المسؤول لمنصات التواصل الاجتماعي واجباً قانونياً وأخلاقياً، في حين يظل احترام الوحدة الوطنية ونبذ خطاب الكراهية من أهم الضمانات للحفاظ على استقرار المجتمع وبناء فضاء رقمي يقوم على الحوار المسؤول وحفظ تاريخ القبائل دون منافسة سلبية.





