الرئيسيةمحلياتإعادة تعريف دور الجامعات: من زيادة...
محليات

إعادة تعريف دور الجامعات: من زيادة الإنفاق إلى خلق قيمة مستدامة

30/07/2026 01:01

من قياس الحجم إلى قياس القيمة

لطالما اعتمدت الجامعات على مؤشرات تقليدية مثل حجم الميزانية، عدد الطلاب، مساحة المرافق وموقعها في التصنيفات العالمية لقياس نجاحها. بينما تبقى هذه المقاييس مهمة، فإنها لم تعد كافية لتقييم قدرة المؤسسة على الاستمرار في بيئة تتسارع فيها التغيرات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتقنية. لم يعد السؤال الملح هو كيفية زيادة إيرادات المؤسسات الأكاديمية، بل كيف تصير الجامعة قادرة على توليد قيمة مستدامة.

إدارة الأصول كمولدات للقيمة

اختيار مصطلح «مؤسسة» هنا متعمد؛ فهو يعكس تحولاً جوهرياً في كيفية النظر إلى دور الجامعة، من كونها منظمة ترتكز وظيفتها على تقديم الخدمات وتبادل المنافع مع المجتمع، إلى مؤسسة تستمد شرعيتها ومكانتها من رسالتها، وفلسفتها، والقيم التي تجسدها، والثقة التي تحظى بها، والأثر الذي تتركه في المجتمع. إذا كانت المنظمة تقاس بمدى كفاءتها في أداء وظائفها وتحقيق أهدافها، فإن المؤسسة تتجاوز هذا البعد الوظيفي لتقاس بما تمثله من منظومة قيم وثقافة وقيادة وعلاقات، وما تؤديه من دور في إنتاج المعرفة وبناء الإنسان وترسيخ الهوية وتعزيز الوعي، حتى تصبح جزءاً من ذاكرة المجتمع ووجدانه، فينظر إليها بوصفها قيمة في ذاتها، لا مجرد مقدم لخدمة.

وبناء على هذا المنظور، فإن مكانة الجامعة لا تُبنى فقط على ما تقدمه من برامج أكاديمية، بل على فلسفة التعليم لديها، وقدرتها على إنتاج المعرفة، وتكوين الوعي العام، والمساهمة في التنمية، وترسيخ القيم المجتمعية. كلما ارتقت الجامعة إلى مستوى المؤسسة، ازدادت قيمتها المجتمعية، وتعززت قدرتها على استقطاب الكفاءات، وجذب الشراكات، وتنمية الأوقاف، وكسب ثقة المانحين، لتصبح استدامتها المالية انعكاساً طبيعياً لقيمتها المؤسسية، لا هدفاً تسعى إليه بذاته.

نموذج الاستثمار المستدام للجامعات

رغم ذلك، تتركز معظم النقاشات حول الاستدامة المالية للجامعات على البحث عن مصادر جديدة للإيرادات، أو المطالبة بزيادة الدعم الحكومي، أو رفع الرسوم الدراسية. هذه المقاربات تنظر إلى الاستدامة من زاوية التمويل فقط، بينما يكمن التحدي الحقيقي في كيفية إنتاج القيمة. زيادة الإيرادات لا تعني بالضرورة تحقيق الاستدامة المالية، أما تعظيم القيمة فيعني قدرة الجامعة على تمويل نموها من خلال الاستثمار الكفء لأصولها المادية والمعرفية والاجتماعية، بدلاً من الاعتماد المستمر على الرسوم أو الإعانات.

وتؤكد تجارب الجامعات العالمية المرموقة هذه الحقيقة؛ فهي لا تتبنى تعظيم الإيرادات عبر التوسع غير المنضبط في القبول أو رفع الرسوم بوصفه خياراً أول، بل تركز على بناء قيمة الجامعة والمحافظة عليها. ولهذا تنتهج سياسات قبول انتقائية تحرص على جودة المدخلات والمخرجات، وتعزز سمعتها الأكاديمية، وترفع من مكانتها العلمية والمجتمعية. نتيجة لذلك، تتضاعف رسومها الدراسية، وتتزايد أوقافها، وتتسع قاعدة المتبرعين والداعمين لها، لأنها استطاعت أن تبني قيمة مؤسسية عالية يثق بها المجتمع ويحرص على الاستثمار فيها.

والواقع أن الجامعات لا تعاني شحاً في الأصول، بل تمتلك ثروة استراتيجية هائلة تشمل الكفاءات العلمية، ومراكز الأبحاث، وبراءات الاختراع، والمختبرات المتخصصة، والمستشفيات الجامعية، والأوقاف، والعقارات، والعلامة المؤسسية، إضافة إلى شبكات واسعة من الخريجين والشركاء، إلا أن التحدي الحقيقي يتمثل في كيفية إدارة هذه الأصول بوصفها مولدات للقيمة، لا مجرد موارد تشغيلية.

إن تعظيم القيمة لا يعني تعظيم الأرباح، كما قد يتبادر إلى الذهن، بل تعظيم العائد الاقتصادي والاجتماعي والمعرفي لكل أصل تمتلكه الجامعة. فالجامعة الريادية تقيس نجاحها بما تحدثه من أثر وما تخلقه من قيمة مضافة. فعلى سبيل المثال، تتحقق قيمة البحث العلمي عندما يتحول إلى تقنية، أو منتج، أو شركة ناشئة، أو سياسة عامة تعالج مشكلة مجتمعية. كما تتعاظم قيمة الملكية الفكرية عندما تتحول من مجرد حماية قانونية للابتكار إلى أصل استثماري يدر عائداً مستداماً، ويعزز إسهام الجامعة في التنمية الاقتصادية والمعرفية.

وينطبق الأمر ذاته على المرافق الجامعية، فالقاعات الدراسية، والمختبرات، ومراكز المؤتمرات، والمنشآت الرياضية، التي تبقى خارج دائرة الاستخدام في غالب الوقت، يمكن أن تتحول إلى منصات للتعليم التنفيذي، والتدريب المهني، والشراكات الصناعية، وحاضنات الأعمال، ومراكز الابتكار. فالأصل الذي لا يستفاد منه معظم الوقت هو أصل منخفض الإنتاجية، مهما بلغت قيمته المحاسبية. كما يمثل رأس المال الاجتماعي أحد أهم أصول الجامعة؛ إذ تملك شبكة من العلاقات والخبرات والفرص الاستثمارية التي يمكن أن تسهم في احتضان الابتكار، وتمويل الشركات الناشئة، وفتح الأسواق أمام مخرجات الجامعة.

ويمثل التوجه نحو منح الجامعات الاستقلال المالي والإداري، في إطار مستهدفات رؤية المملكة 2030، فرصة مواتية لإعادة صياغة النموذج الاقتصادي للجامعات كمؤسسات ريادية قادرة على تحقيق التوازن بين إدارة الموارد بعقلية المستثمر، وتعزيز قيمتها المؤسسية بما يرسخ مكانتها وثقة المجتمع بها. وفي هذا النموذج، تتكامل منظومة خلق القيمة، إذ تتحول المعرفة إلى أثر، والأثر إلى قيمة، والقيمة إلى استدامة مالية ومؤسسية. وعندئذ تصبح الإيرادات نتيجة طبيعية للقيمة التي تنتجها الجامعة، لا غاية تسعى إليها.