الرئيسيةمحلياتإعادة النظر في دور التأمين الصحي...
محليات

إعادة النظر في دور التأمين الصحي نحو الاستثمار في الوقاية لكبار السن

30/07/2026 01:01

لطالما كان دور شركات التأمين الصحي يقتصر على تغطية نفقات العلاج بعد ظهور المرض؛ فبمجرد احتياج المؤمن إلى دواء أو إقامة في مستشفى أو عملية جراحية، تتدخل الشركة لسداد التكلفة وفق شروط الوثيقة. ورغم أن تمويل العلاج يظل الوظيفة الأساسية للتأمين، فإن التغيرات الصحية والسكانية القادمة تفرض إعادة التفكير في دور أوسع وأكثر استدامة، ينتقل بالتأمين من مجرد سداد فئات المرض إلى استباقي للحفاظ على صحة الفرد.

الوقاية بدلاً من العلاج

تخيل شخصاً بلغ الستين من عمره، يعاني زيادة في الوزن، وأظهرت الفحوصات أنه في مرحلة مقاومة الأنسولين أو ما قبل السكري. هذا الفرد لا يحتاج اليوم إلى حقن أنسولين، ولا إلى تنويم متكرر، ولا إلى علاج مضاعفات السكري، لكنه يقف عند بداية مسار قد يؤدي بعد سنوات إلى أمراض القلب، أو القصور الكلوي، أو اعتلال الشبكية، أو القدم السكرية، وما قد يرافقها من عمليات جراحية أو بتر أو علاجات طويلة الأمد وتكاليف باهظة.

في النموذج التقليدي، تنتظر شركة التأمين حتى تتفاقم الحالة، ثم تبدأ في دفع تكاليف الأدوية والفحوصات والإقامة الطبية والتدخلات العلاجية عاماً بعد عام. لكن ماذا لو بادرَت الشركة قبل ظهور المرض؟ ماذا لو تواصلت معه وعرضت عليه اشتراكاً في نادٍ رياضي قريب من مسكنه، أو برنامجاً غذائياً بإشراف مختص، أو متابعة صحية رقمية، أو أدوات مناسبة لممارسة الرياضة في المنزل؟ قد تدفع الشركة مبلغاً محدوداً مقابل هذه الخدمات، لكنها قد تؤخر ظهور السكري لسنوات، أو تخفّض احتمال حدوث مضاعفاته، أو تقلل الحاجة إلى العلاج المكلف.

نموذج شراكة ثلاثي

هذه الفكرة ليست مجرد هدية تسويقية أو عمل خيري خارج نطاق نشاط شركات التأمين، بل تمثل صورة متقدمة من إدارة المخاطر. فإذا كانت الشركات تستخدم البيانات لتقدير احتمال إصابة المؤمن بالمرض، فمن المنطقي أن تستعمل نفس المعلومات—بموافقته ووفقاً لضوابط حماية الخصوصية—لتقليل هذا الاحتمال عبر التدخل المبكر. فكل تحسن في مستوى السكر التراكمي أو ضغط الدم، وكل انخفاض صحي في الوزن، وكل زيادة آمنة في النشاط البدني، قد ينعكس مستقبلاً في انخفاض المطالبات، وتقليل الإقامة في المستشفى، واستهلاك أقل للأدوية.

ومن المهم أن نكون واقعيين بشأن تمويل التأمين الصحي. فمعظم الموظفين والمتقاعدين المشمولين بالتغطية لا يدفعون قيمة الوثيقة من جيوبهم الخاصة، بل تتحمله جهة عملهم الحالية، أو الجهة التي كانوا يعملون لديها، أو المؤسسات والشركات التي توفر التأمين لهم ولأسرهم. ولذلك فإن النموذج الأمثل لهذه المبادرة لا ينبغي أن يقتصر على العلاقة بين شركة التأمين والمؤمن عليه، بل يجب أن يشمل شراكة ثلاثية تجمع المؤمن عليه، وشركة التأمين، والجهة التي تمول الوثيقة.

يمكن لجهة العمل، على سبيل المثال، أن تشارك شركة التأمين في تمويل برنامج النشاط البدني أو التغذية أو الفحص المبكر، أو أن تخصص ضمن عقد التأمين مبلغاً سنوياً للوقاية وتحسين نمط الحياة. كما يمكنها تشجيع موظفيها ومتقاعديها على الانخراط في هذه البرامج، وتوفير مرافق أو أوقات مناسبة للنشاط، والمساهمة في بناء ثقافة مؤسسية تدعم الصحة بدلاً من الاكتفاء بدفع القسط السنوي وانتظار المطالبات.

وبالمقابل، تتولى شركة التأمين تصميم البرنامج الصحي، وتحديد الفئات الأكثر عرضة للمخاطر، وقياس المؤشرات الصحية والاقتصادية، وتقديم الخدمات الوقائية من خلال شبكة معتمدة من الأندية والمراكز الصحية وأخصائيي التغذية والعلاج الطبيعي. أما المؤمن عليه، فيشارك بإرادته ويلتزم بالخطة المناسبة لحالته الصحية، ليصبح شريكاً فعلياً في المحافظة على صحته، وليس مجرد متلق للعلاج بعد ظهور المرض.

وتتحقق في هذا النموذج منفعة واضحة لجميع الأطراف. فإذا تحسنت صحة المؤمن عليه، انخفض احتمال إصابته بالمرض والمضاعفات، وتحسنت قدرته على الحركة والعمل والاستقلال في الحياة اليومية. وتستفيد شركة التأمين من انخفاض المطالبات العلاجية المتوقعة. كما تستفيد جهة العمل من انخفاض تكلفة التأمين عند التجديد، وتراجع الغياب المرضي، وتحسن الإنتاجية، وانخفاض حالات التقاعد المبكر أو فقدان القدرة على العمل بسبب الأمراض المزمنة.

وبذلك لا يصبح خفض قسط التأمين في السنة التالية مرتبطاً فقط بتحسن أرباح شركة التأمين، بل يمكن أن يصبح ثمرة مشتركة تعود على جهة العمل والمؤمن عليه. فإذا حقق البرنامج نتائج واضحة، مثل انخفاض الوزن بصورة صحية، أو تحسن مستوى السكر، أو السيطرة على ضغط الدم، أو الالتزام بالفحوص الوقائية، فقد تحصل جهة العمل على شروط تأمينية أفضل عند التجديد، بينما يحصل المؤمن عليه على مزايا إضافية، مثل تخفيض نسبة التحمل، أو زيادة بعض المنافع، أو رصيد وقائي جديد، أو مكافآت مرتبطة بالاستمرار في السلوك الصحي.

الفوائد والتحديات

ويفضل أن تستند هذه الحوافز إلى المكافأة لا العقاب؛ فلا يجوز أن يتحول البرنامج إلى وسيلة لرفع القسط على من لم ينجح في إنقاص وزنه، أو حرمانه من التغطية، أو تحميله مسؤولية مرض قد تتداخل في حدوثه عوامل وراثية واجتماعية وصحية متعددة. فبعض كبار السن قد يعانون من أمراض في المفاصل أو القلب أو الجهاز التنفسي تحد من قدرتهم على ممارسة الرياضة، ولذلك يجب أن تكون الأهداف فردية وآمنة، ويحددها المختصون وفق حالة كل شخص.

كما يجب ألا يقتصر تقييم النجاح على الوزن وحده؛ فقد لا ينخفض وزن الشخص بصورة كبيرة، لكن تتحسن لياقته، أو ضغطه، أو مستوى السكر لديه، أو تقل حاجته إلى بعض الأدوية. والغاية ليست إجبار الجميع على بلوغ رقم موحد، بل خفض الخطر الصحي لكل شخص بالقدر الممكن والآمن.

قد ترى بعض شركات التأمين أو جهات العمل أن الاشتراك في نادٍ رياضي أو توفير جلسات تغذية يمثل تكلفة إضافية، لكن النظرة بعيدة المدى تكشف أن هذه المبالغ قد تكون ضئيلة جداً مقارنة بتكاليف علاج السكري ومضاعفاته، أو عمليات القلب، أو الفشل الكلوي، أو القدم السكرية، أو التنويم المتكرر. وقد لا يمنع البرنامج كل حالة مرضية، لكنه إذا نجح في تأخير الإصابة، أو تقليل المضاعفات، أو خفض نسبة محدودة من الحالات مرتفعة التكلفة، فإنه قد يحقق وفراً مالياً معتبراً على مستوى المحفظة التأمينية وجهة العمل معاً.

وتزداد الحاجة إلى هذا التوجه مع ارتفاع متوسط العمر المتوقع، والنمو المنتظر في أعداد كبار السن خلال السنوات والعقود المقبلة. فزيادة العمر تمثل إنجازاً صحياً واجتماعياً مهماً، لكنها تعني أيضاً ارتفاع الطلب على الأدوية والخدمات العلاجية والجراحية والتأهيلية، ما لم يرافقها استثمار جاد في الوقاية والمحافظة على القدرة الوظيفية وجودة الحياة.

ولهذا لا ينبغي أن تنتظر شركات التأمين صدور إلزام تنظيمي حتى تبدأ. يمكنها أن تطلق مبادرات تجريبية بالتعاون مع كبار عملائها من الشركات والجهات الحكومية، وتستهدف في البداية فئات واضحة، مثل الأشخاص في مرحلة ما قبل السكري، أو المصابين بالسمنة وارتفاع ضغط الدم، أو كبار السن المعرضين للسقوط وفقدان القدرة الحركية. ثم تقيس النتائج من خلال مقارنة تكاليف البرنامج بما تحقق من انخفاض في المطالبات والتنويم واستهلاك الأدوية.

وفي الوقت ذاته، يمكن لمجلس الضمان الصحي أن يؤدي دوراً مهماً في بناء إطار منظم لهذه الشراكات، من خلال وضع معايير للبرامج الوقائية، ومؤشرات لقياس نتائجها، وضوابط لحماية البيانات ومنع التمييز، وآليات تسمح بتوزيع الوفورات والمكافآت بعدالة بين المؤمن عليه وشركة التأمين والجهة الممولة للوثيقة.

كما يمكن أن يشجع المجلس على تضمين برامج تحسين نمط الحياة ضمن العقود المبرمة بين جهات العمل وشركات التأمين، بحيث لا يكون التنافس على أقل قسط سنوي فقط، بل على أفضل قدرة على المحافظة على صحة المؤمن عليهم وخفض مخاطرهم المستقبلية. وهنا قد يتغير معيار نجاح وثيقة التأمين من عدد المستشفيات المشمولة وسرعة الموافقات فقط، إلى قدرتها كذلك على منع المرض أو تأخيره وتحسين جودة حياة المستفيد.

إن مستقبل التأمين الصحي لن يكون قائماً فقط على العلاقة التقليدية بين مريض يحتاج إلى العلاج وشركة تسدد تكلفته، بل على منظومة شراكة تتقاسم فيها المسؤولية والمصلحة. فجهة العمل تمول وتدعم، وشركة التأمين تصمم وتتابع، والمؤمن عليه يشارك ويلتزم، والجهة المنظمة تضع الضوابط وتحمي العدالة والخصوصية.

والسؤال الذي ينبغي أن تطرحه شركات التأمين وجهات العمل لم يعد: كم سيكلفنا علاج هذا الشخص عندما يمرض؟ بل: ما الذي يمكن أن نقدمه له اليوم حتى نؤخر مرضه أو نمنعه أو نقلل مضاعفاته غداً؟

حين تدفع شركة التأمين وجهة العمل ألفي ريال لتحسين صحة مؤمن عليه، فهما لا تدفعان ثمن اشتراك رياضي فحسب، بل تستثمران في سنوات أكثر صحة، ومطالبات أقل، وإنتاجية أعلى، وحياة أكثر استقلالاً وكرامة. وهذه ليست منفعة لطرف واحد، بل معادلة رابحة للمؤمن عليه، ولشركة التأمين، ولجهة العمل، وللنظام الصحي والاقتصاد الوطني بأكمله.