الرئيسيةاقتصادمن شغف فردي إلى ذاكرة جماعية:...
اقتصاد

من شغف فردي إلى ذاكرة جماعية: حمزة صيرفي يروي تجربة فن جدة

21/07/2026 09:01

جلسة «ويبقى الأثر»: من الشغف الخاص إلى الذاكرة العامة

في جلسة حملت عنوان «ويبقى الأثر» التي استضافها متحف البحر الأحمر في جدة التاريخية وأدارتها عبير أبو سليمان، شارك الفنان حمزة صيرفي بقصته حول كيف تحول شغفه الشخصي إلى مورد ثقافي مشترك.

من الشغف إلى المتاحف: رحلة حمزة صيرفي

بدأ علاقته بالفن من خلال الهواية والاقتناء، لكنه لم يوقف الأمر عند التجربة الفردية. مع مرور الوقت ساهم في إنشاء عدد من صالات الفنون التشكيلية، وصولاً إلى «غاليري أثر» و«صالة وصل الفنية»، وعرف الأعمال من خلال مبادرات متعددة.

هذا التطور قاد إلى طرح سؤال جوهري: هل يكفي امتلاك العمل الفني أم تبدأ قيمته الحقيقية عندما يصبح متاحاً للآخرين؟ الجواب قاد إلى تجربة متاحف دار الفنون في جدة بارك، التي لم تكن منفصلة عن مسيرة الاقتناء والحفظ بل بدت امتداداً طبيعياً لها. يرى صيرفي أن المتحف ليس مجرد مكان للعرض بل فسيح يمنح الفن سياقاً ويحول المقتنى الخاص إلى معرفة وذاكرة عامة.

الفن والذاكرة في سياق التحول الوطني

أشار صيرفي إلى أن تجربته لا تُفصل عن التحول الثقافي الذي تشهده المملكة. فالمبادرات الفردية والثقافية على مدى عقود ساهمت في تشكيل المشهد الفني في جدة، بينما تسعى وزارة الثقافة اليوم لتوسيع هذا التراكم وتحويله إلى منظومة مستدامة تربط التراث بالفن، والمكان بالمجتمع، والذاكرة بالمستقبل.

في جدة تحديداً يتجاوز الدور ترميم المباني التاريخية وإحياء المواقع القديمة إلى إعادة بناء علاقة الإنسان بالمكان؛ فالمبنى التاريخي يصبح مساحة للمعرفة، والموقع القديم فضاءً للتجربة، والتراث مادة حية للحاضر وليس مجرد صورة من الماضي.

الأسئلة والآفاق: من المجموعة الخاصة إلى المجتمع

خلال النقاش امتد الحوار إلى أسئلة الجمهور حول كيفية انتقال الأعمال الفنية من المجموعات الخاصة إلى فضاء أوسع، وما الذي يجعل المقتنى الشخصي جزءاً من ذاكرة المدينة، وما إذا كان إنشاء المتحف يكفي لحفظ الفن أم أن قيمته الحقيقية تبدأ عندما يمنح العمل سياقاً ويستطيع مخاطبة أجيال جديدة.

كما تناولت المداخلات العلاقة بين المبادرة الفردية والعمل المؤسسي، والدور الذي يمكن أن يلعبه أصحاب المجموعات الخاصة في بناء المشهد الثقافي، والسؤال الأعمق: كيف يمكن تحويل الشغف الشخصي إلى منفعة عامة تستمر بعد صاحبه؟

وفي متحف البحر الأحمر، المقام في مبنى باب البنط التاريخي بجدة التاريخية، اكتسب السؤال معنى إضافياً؛ فالمكان نفسه يحفظ ذاكرة البحر، بينما يستعيد صيرفي ذاكرة المدينة، وتعمل وزارة الثقافة على وصل هذه الذاكرة بالحاضر عبر مشروعات تعيد تقديم التاريخ كمصدر للإبداع لا كعبء من الماضي.

في الختام لا تبدو جدة في تجربة حمزة صيرفي مدينة تنظر إلى ماضيها من بعيد، بل مدينة يعيش الماضي فيها داخل الحاضر: في البيوت التي تُرمم، والأعمال التي تُحفظ، والمتاحف التي تُبنى، والحكايات التي يعاد سردها. ومن اللوحة إلى الصالة، ومن الصالة إلى المتحف، ومن المقتنى الخاص إلى الذاكرة العامة، تتشكل رحلة واحدة عنوانها الأعمق: أن ما ننجح في حفظه اليوم قد يصبح غداً الطريقة التي تتذكر بها الأجيال مدينتها.

وربما يكمن المعنى الأوسع للأثر في أن ما يبدأ شغفاً فردياً، حين يجد طريقه إلى الجمهور والمؤسسة والمكان، يمكن أن يتحول إلى ذاكرة عامة، وأن ما تحفظه المدينة اليوم قد يصبح غداً جزءاً من ذاكرة الوطن.