الإمارات تُحدث خدماتها المالية بالذكاء الاصطناعي داخل برنامج تصفير البيروقراطية

التحول الاستراتيجي للخدمات المالية
تشير المبادرات المتتالية لتحديث المنظومة المالية الحكومية في دولة الإمارات إلى أن التحول الرقمي لم يعد مجرد خيار تشغيلي لتقليل المعاملات، بل أصبح محركاً استراتيجياً يعيد تشكيل إدارة المالية العامة ويرفع كفاءة الإنفاق.
في هذا الإطار، يندرج إدراج تقنيات الذكاء الاصطناعي المساعد ضمن الدورة الثالثة لبرنامج تصفير البيروقراطية كخطوة تعكس الانتقال نحو خدمات مالية استباقية وتنفيذية ذاتياً، ما يخفف الوقت والجهد ويقلل التكاليف.
التطبيقات العملية في ستة مجالات رئيسية
أوضحت وزارة المالية أنها نظمت “مجلس المتعاملين” داخل الدورة الثالثة للبرنامج لعرض الإنجازات المحققة خلال عامي 2024 و2025، واختبار التوظيف المباشر والمسؤول لتقنيات الذكاء الاصطناعي المساعد لتقديم حلول عملية تُختبر قبل الاعتماد الكامل، وفقاً لتقرير وكالة أنباء الإمارات (وام).
وبين التقرير أن هذه الخطوات تستند إلى توجيهات الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب الدولة ورئيس مجلس الوزراء وحاكم دبي، للانتقال من مجرد تقليل المستندات والإجراءات إلى تطوير الخدمات بصورة استباقية.
أشار التقرير إلى أن الجلسات التفاعلية للمجلس استكشفت التطبيقات الفعلية للذكاء الاصطناعي المساعد في ستة مجالات رئيسية هي: إعداد الميزانية، نقل المخصصات المالية، طلبات فرض أو تعديل الرسوم الاتحادية، إجراءات رواتب الموظفين، المشتريات الحكومية، ودورة إعداد الحساب الختامي. وتركزت النقاشات على تحديد المهام المدعومة بالذكاء الاصطناعي، المدخلات المطلوبة، ومراحل التحقق لضمان حوكمة الأداء الرقمي الاستباقي والآمن.
وأتاح المجلس للمتعاملين والشركاء الاستراتيجيين اختبار التصورات المقترحة وتقديم الملاحظات الميدانية لضمان تطوير حلول مرنة تستند إلى الاحتياجات الفعلية، وتشكل التوصيات النهائية للمجلس خارطة طريق للفرق التنفيذية بالوزارة لإعادة تصميم الخدمات الرقمية الذكية، بما يخدم محاور رؤية “نحن الإمارات 2031” ويحقق تصفير 100% من الإجراءات غير الضرورية لتعزيز النمو الاقتصادي وتنافسية بيئة الأعمال.
ونقلت “وام” عن فاطمة يوسف النقبي، وكيل وزارة المالية المساعد لقطاع الخدمات المساندة بالإنابة، تأكيدها أن الدورة الثالثة تمثل محطة جديدة لتعزيز كفاءة المنظومة المالية استناداً إلى التوجيهات الحكومية بالانتقال من تقليل المستندات إلى تطوير الخدمات بصورة استباقية، وأشارت إلى أن الوزارة ترى أن التطوير الحقيقي ينطلق من التجربة اليومية للمتعامل والموظف، مع الحرص على التوظيف المباشر والمسؤول لتقنيات الذكاء الاصطناعي المساعد والحفاظ على أعلى مستويات الحوكمة.
الرؤية المستقبلية والمعايير الدولية
في حديثه لموقع “اقتصاد سكاي نيوز عربية” أكد الخبير الاقتصادي حسين القمزي أن ما تفعله الإمارات اليوم في هذا المجال ليس مجرد رقمنة للخدمات الحكومية بل هو إعادة تصميم طريقة عمل الإدارة المالية نفسها، موضحاً أن التركيز على ستة محاور مالية حيوية يجسد نهجاً مرحلياً مدروساً يعتمد على التحقق والحوكمة الدقيقة مما يضمن أعلى مستويات الكفاءة والجاهزية التشغيلية.
ولفت القمزي إلى الفارق الجوهري بين “رقمنة الإجراءات” و”تصفير البيروقراطية”، حيث تتجاوز المبادرة الإماراتية مجرد تحويل المعاملات إلكترونياً للوصول إلى تكامل المنظومات الحكومية وتبادل البيانات لحظياً، فتصبح الخدمات استباقية وذاتية التنفيذ دون إرهاق المتعامل، ويضيف الذكاء الاصطناعي قيمة نوعية عبر تحليل أنماط الإنفاق واقتراح المخصصات وتدقيق المشتريات والحسابات الختامية برؤية تحليلية متقدمة.
وشدد على أن هذا التحول يُعد محركاً رئيسياً للتنافسية الاقتصادية؛ إذ يُسهم خفض زمن المعاملات وتكلفتها في تحرير رأس المال وجعل البيئة الاستثمارية أكثر مرونة وقابلية للتنبؤ.
وأضاف القمزي: “إن الإمارات تميزت عالمياً بنقل الحلول الاستباقية مباشرة إلى عمق العمليات المالية والحسابية المعقدة، مع اعتماد نموذج الذكاء الاصطناعي المساعد الذي يدمج بين سرعة الحلول التقنية ودقة الرقابة، لتتحول الدولة من تقديم نموذج ملهم إلى صياغة معيار دولي قياسي للحكومات المبتكرة.”
وبدوره، أكد عاصم جلال استشاري العلوم الإدارية وتكنولوجيا المعلومات في “G&K” في حديثه لنفس الموقع أن دولة الإمارات تمضي بثبات نحو قيادة تحول الإدارة المالية الحكومية عبر الذكاء الاصطناعي المساعد، مشيراً إلى أن مجلس المتعاملين الذي نظمته وزارة المالية ضمن الدورة الثالثة لبرنامج تصفير البيروقراطية يعكس انتقالاً عملياً إلى إعادة هندسة الخدمات المالية فعلياً، وقال: “اللافت هو اختيار الوزارة لقلب العمل المالي ميداناً للتطبيق”.
وأضاف جلال أن التصفير الرقمي للبيروقراطية يعزز تنافسية المنظومة المالية لأنه يغير فلسفة العمل لا أدواته فقط، لافتاً إلى أن المرحلة الجديدة تستهدف تحويل الإجراءات إلى عمليات استباقية وذاتية التنفيذ تختصر الوقت والجهد، وأكد أن الخدمة الاستباحية تخفض كلفة التعامل مع الحكومة على الشركات والجهات، وهو عامل حاسم في جذب الاستثمار، مبيناً أن ذلك يستند إلى أرضية صلبة من الإنجازات المتحققة في عامي 2024 و2025.
كما أوضح جلال أن دولة الإمارات مؤهلة لتصبح نموذجاً عالمياً في أتمتة الخدمات المالية الحكومية بفضل انضباطها في التبني، إذ تركز الوزارة على تحديد المهام التي يدعمها الذكاء الاصطناعي، والبيانات المطلوبة، ومراحل المراجعة والتحقق، والضوابط اللازمة قبل الانتقال إلى التطبيق، وأشار إلى أن إشراك المتعاملين في تصميم الحلول واختبارها، وجعل الحوكمة شرطاً مسبقاً، هما ما يميز التجربة الإماراتية عن تجارب تعثرت لأنها سبقت بالتقنية قبل إعادة تصميم العملية.
واختتم جلال بأن الخطوة التالية تتمثل في نشر مؤشرات أثر قابلة للقياس، كعدد الأيام المختصرة من دورة الميزانية والإجراءات الملغاة في المشتريات، ليتحول النموذج الإماراتي من تجربة ملهمة إلى معيار دولي يُحتذى به.





