شتاء قارس ينتظر أوروبا.. تهديد ترامب بحظر الديزل يضرب مخزونات الطاقة

مع حلول فصل الشتاء، تواجه الدول الأوروبية أزمة طاقة متفاقمة بعد أن هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض حظر أو قيود مشددة على صادرات الديزل، ما لم تسحب الحكومات الأوروبية من مخزوناتها الاحتياطية. يأتي هذا التهديد في وقت تعاني فيه القارة من تراجع حاد في مستويات المخزون وارتفاع قياسي في الأسعار، وسط اعتماد شبه كامل على الواردات الخارجية.
تهديد أمريكي جديد يثير القلق في أوروبا
الخميس الماضي، وخلال حملته الانتخابية في ولاية تكساس قبيل انتخابات التجديد النصفي، قال ترامب إنه “ربما” يدعو الدول الأوروبية إلى السحب من احتياطياتها الاستراتيجية، مشيراً إلى أن فرض حظر أو قيود على صادرات الديزل الأمريكية لا يزال خياراً مطروحاً على الطاولة. ويهدف هذا التهديد إلى خفض الأسعار المرتفعة التي تعاني منها الأسواق الأمريكية أيضاً، والتي بلغ متوسط سعر الديزل فيها 6.41 دولارات للغالون في 30 سبتمبر 2026، بعد أن سجل رقماً قياسياً عند 6.53 دولارات في 22 سبتمبر، وفق بيانات جمعية السيارات الأمريكية (AAA).
ويأتي التهديد في ظل حرب أمريكية على إيران تسببت في اضطراب الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب، مما أدى إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة عالمياً.
اعتماد أوروبي شبه كامل على واردات الطاقة
تكشف تداعيات الحرب في الشرق الأوسط عن هشاشة منظومة الطاقة الأوروبية، إذ تستورد القارة نحو 58 بالمئة من احتياجاتها من الطاقة من الخارج، وفق معهد الإحصاءات الأوروبية (يوروستات). ويعتمد الاتحاد الأوروبي على الخارج لتغطية 96 بالمئة من احتياجاته النفطية و85 بالمئة من الغاز. وارتفعت الواردات الأوروبية من الديزل الأمريكي بنحو 99 بالمئة بين فبراير ويونيو الماضيين على أساس سنوي، بالتزامن مع تراجع الإمدادات من منطقة الخليج وروسيا. وتستورد المملكة المتحدة نحو 55 بالمئة من احتياجاتها من الديزل، يأتي قرابة ثلثها من الولايات المتحدة.
مخزونات متدنية وأسعار قياسية
وفق موقع “يورو أويل ووتش” (مستقل يعتمد أرقام يوروستات)، لا تكفي احتياطيات البنزين الأوروبية سوى 66 يوماً، والديزل 90 يوماً، ووقود الطائرات نحو 60 يوماً. وتظهر الإحصاءات أن 15 دولة من أصل 27 عضواً في الاتحاد تقل مخزوناتها من الديزل عن مستوى 90 يوماً، بينها 11 دولة توصف أوضاعها بأنها “حرجة”. وفيما يتعلق بالبنزين، تواجه 19 دولة من أصل 27 مستويات مخزون حرجة، بينها إسبانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، فيما تهبط الاحتياطيات إلى أقل من 33 يوماً في رومانيا وليتوانيا.
على صعيد الأسعار، سجلت أسعار الديزل في محطات أوروبا مستوى قياسياً جديداً مع بلوغ متوسط السعر للأسبوع الحالي 2.24 يورو للتر الواحد، بزيادة قدرها سنت واحد عن الرقم القياسي المسجل في الأسبوع السابق، وفق تجميع لبيانات وطنية نشرته المفوضية الأوروبية الخميس.
مخزونات الغاز وضغوط الشتاء
تمتد أزمة الطاقة في أوروبا إلى الغاز أيضاً، إذ تبلغ مخزوناته في دول الاتحاد نحو 71.5 بالمئة حتى أكتوبر الجاري، مقابل متوسط موسمي يقدر بنحو 92 بالمئة، وفق منظمة البنية التحتية للغاز بأوروبا. وشكلت واردات أوروبا من الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة نحو 57 بالمئة من إجمالي الإمدادات بعد تراجع تلك الإمدادات من دول الخليج بعد اندلاع الحرب على إيران. وتتعمق الأزمة مع زيادة اعتماد أوروبا على الغاز الطبيعي المسال بعد تراجع إمدادات الغاز الروسي منذ بدء الحرب في أوكرانيا في فبراير 2022، مما يجعل اقتصاد الاتحاد الأوروبي عرضة لتقلبات أسعار النفط، لا سيما في قطاع النقل، وفق البنك الأوروبي للاستثمار.
وأضاف البنك، في تقرير صادر في أبريل الماضي، أن الغاز الطبيعي يعد مصدراً رئيسياً للتدفئة في فصل الشتاء، فيما تحتاج أوروبا حالياً إلى “تجديد مخزونها من الغاز الطبيعي المسال بأسعار قد ترتفع بنسبة 70 بالمئة إذا استمر النزاع”. ووفقاً للتقرير، تعيق أسعار الطاقة المرتفعة القدرة التنافسية الأوروبية، إذ تقارب أسعار الكهرباء التي تدفعها شركات الاتحاد الأوروبي ضعف نظيرتها في الولايات المتحدة، بمتوسط 226 يورو لكل ميغاواط/ساعة في أوروبا، مقابل 139 يورو في الولايات المتحدة خلال عام 2024. كما أشار إلى أن أسعار الغاز في الاتحاد الأوروبي كانت أعلى بنحو 3 إلى 5 أضعاف مثيلتها بالولايات المتحدة خلال العام ذاته.
وذكر التقرير أن ارتفاع كلفة الطاقة، دون زيادة موازية في كميات الغاز أو النفط المستورد، يكشف حجم اعتماد أوروبا على مصادر الطاقة الخارجية وما يترتب عليه من ضغوط اقتصادية.
تكلفة باهظة وخطط بديلة
في 2025، بلغ حجم واردات الاتحاد الأوروبي من الطاقة نحو 723 مليون طن، بقيمة 336.7 مليار يورو. وقال مفوض الطاقة في الاتحاد الأوروبي دان يورجنسن، الثلاثاء، إن ارتفاع أسعار الطاقة سيكلف الاتحاد نحو 100 مليار يورو إضافية خلال 2026، رغم عدم زيادة كميات النفط والغاز التي يستوردها. جاء ذلك في تصريحات أدلى بها يورجنسن على هامش اجتماع وزراء الطاقة في مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل، يومي 28 و29 سبتمبر الماضي. وأوضح أن ارتفاع الأسعار يضر بالمواطنين والصناعة الأوروبية، معتبراً أن الحل يكمن في التوسع في إنتاج الطاقة المتجددة محلياً. وأضاف: “كنا نعتمد في السابق على روسيا، ولحسن الحظ نحن الآن نتخلص من هذا الاعتماد، لكن مع ذلك لا يزال ارتفاع الأسعار في السوق العالمية يؤثر على الاتحاد”.
من جهته، قال يورجنسن، الجمعة، إن الإفراج عن الاحتياطيات النفطية الاستراتيجية يظل خياراً مطروحاً لاحتواء ارتفاع الأسعار. وأضاف المفوض الأوروبي، في مقابلة مع قناة “يورونيوز” غداة تهديد ترامب، أن الاتحاد يناقش مع جميع أعضاء وكالة الطاقة الدولية، وليس مع الولايات المتحدة وحدها، التوقيت المناسب للسحب من مخزونات الديزل.





