ثانوية "برهان فلك" في إسطنبول توثق 179 عاماً من تاريخ التعليم العثماني والتركي

في منطقة أسكودار بإسطنبول، تواصل ثانوية “برهان فلك” مسيرتها التعليمية التي انطلقت عام 1847، لتكون واحدة من أقدم المؤسسات التعليمية في المدينة، محتفظةً بأرشيف تاريخي يضم وثائق تعود إلى عهود متعددة.
محطات التأسيس والتسمية
افتُتحت المدرسة عام 1847 باسم “المدرسة المدنية الرشدية”، ضمن أول دفعة من خمس مدارس رشدية (إعدادية) أُسست في إسطنبول بالتزامن مع إنشاء أول تنظيم رسمي لهذه المرحلة. وفي عام 1852، تغير اسمها إلى “مدرسة أسكودار الرشدية”، ثم تعددت أسماؤها مع انتقالها بين المباني والأحياء. واستقرت عام 1867 في موقعها الحالي بأسكودار، داخل مبنى “دار المشير” الشهير. وفي عام 1872 حملت اسم “مدرسة أسكودار الرشدية العتيقة”، ثم تحولت عام 1880 إلى “مدرسة أسكودار دوغانجيلار الرشدية”، قبل أن تصبح عام 1888 “رشدية أسكودار المركزية”.
من الرشدية إلى السلطانية والثانوية
شهد عام 1875 افتتاح مدرسة “باشا قابي العسكرية الرشدية” في حديقة المدرسة، في عهد السلطان عبد العزيز. وفي عام 1893 تحولت إلى “إعدادية أسكودار”، ثم إلى “مدرسة أسكودار السلطانية” عام 1913 بعد تحويل عدد من المدارس الإعدادية إلى سلطانية (ثانوية) إثر إعلان المشروطية الثانية.
بعد حروب البلقان، استُخدم مبنى المدرسة كمستشفى، بينما استمر التعليم في قصر يالي بمنطقة باشا ليماني. ومع الحرب العالمية الأولى وحرب الاستقلال، جرى تجنيد 8 معلمين و43 طالباً، استشهد منهم 3 معلمين و26 طالباً، وتوقفت المدرسة عن تخريج طلاب بين عامي 1917 و1922.
الاحتلال والحريق
عقب هدنة مودروس واحتلال إسطنبول عام 1918، تحول مبنى المدرسة إلى مقر لجنود قوات الحلفاء في أسكودار. وفي العام نفسه، اندلع حريق تسبب فيه جنود بريطانيون، وأتى على المبنى الخشبي بالكامل والعديد من المباني المجاورة. بعد الحريق، نُقلت المدرسة إلى مبنى مدرسة مال خاتون، ثم أغلقت مؤقتاً، وعادت عام 1923 باسم “ثانوية أسكودار للبنين”.
في عام 1924 تحولت إلى المدرسة المتوسطة (الإعدادية) الأولى في أسكودار، لكن جهود مديرها محمد أمين بك والمعلمين التطوعية أعادت التعليم الثانوي إليها عام 1925. وعادت إلى اسم “ثانوية أسكودار للبنين”، لكنها تحولت مجدداً إلى إعدادية عام 1929. وفي عام 1931 بدأت بقبول الطالبات، لتصبح إعدادية مختلطة، ثم انتقلت عام 1935 إلى مبناها التاريخي الحالي باسم “المدرسة الإعدادية الأولى في أسكودار”.
تخليد ذكرى برهان فلك
في العام الدراسي 1968-1969 استضافت المدرسة طلاب الثانوية مساءً، وفي 1970-1971 استعادت صفة الثانوية باسم “ثانوية أسكودار”، وخرّجت أول دفعة عام 1973. وفي عام 1983، تغير اسمها إلى “ثانوية برهان فلك” تكريماً للصحفي والكاتب برهان فلك، رئيس جمعية الصحفيين في إسطنبول لسنوات طويلة وأحد خريجيها. وتواصل المدرسة اليوم باسم “ثانوية الأناضول برهان فلك”، في مبنى حديث شُيد عام 2024 إلى جانب المبنى التاريخي الذي يخضع للترميم.
واقع المدرسة وأنشطتها
قال نائب مدير المدرسة فاضل يلدرم، في حديث للأناضول، إن المدرسة تُعد من أقدم الثانويات في إسطنبول، وبدأت نشاطها عام 1847 باسم رشدية أسكودار. وأوضح أنها تواصل منذ عام 2015 باسم ثانوية الأناضول برهان فلك، وأن عدد الطلاب سيبلغ 737 مع التحاق الصف التاسع في العام الدراسي الجديد، إلى جانب 46 معلماً. وأضاف: “لدينا نادٍ للرحلات ينظم رحلات داخلية وخارجية، ونادٍ للموسيقى وتدريبات كورال، كما نشارك في أنشطة أندية ريادة الأعمال ونموذج الأمم المتحدة”. وأشار إلى وجود نادي تاريخ ينظم زيارات لمواقع إسطنبول، ونادي ثقافة وأدب يستضيف كتاباً أتراك وينظم جلسات قراءة، ونادي رياضي يشارك في مسابقات داخل وخارج إسطنبول. واختتم: “نعيش إسطنبول بكل تفاصيلها”.
رقمنة الأرشيف التاريخي
أشار يلدرم إلى أن المدرسة بدأت نقل أرشيفها التاريخي الواسع إلى البيئة الرقمية، بتكليف من مديرية التربية الوطنية في إسطنبول، حيث يقوم اثنان من المعلمين بذلك. وقال: “رأيت وثائق قديمة جداً، واطلعت على مواد دراسية مكتوبة باللغة التركية العثمانية. كان من المثير الاقتراب من ماضينا ورؤية ما كان يعمل عليه أجدادنا. العمل في مدرسة لها هذا التاريخ مصدر فخر لنا”.





