الرئيسيةعربي و عالميالسندات الأميركية والأزمة الألمانية: تحذيرات من...
عربي و عالمي

السندات الأميركية والأزمة الألمانية: تحذيرات من تصحيح كبير في الأسواق

04/09/2026 05:02

لم تعد المخاطر التي تثقل كاهل الاقتصاد العالمي مقتصرة على التضخم وأسعار الفائدة أو تقلبات أسواق السندات، بل بدأت تطال مباشرة الشركات وفرص العمل. ففي ظل انقسامات جيوسياسية هي الأوسع منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ونحو 130 نزاعاً مسلحاً حول العالم مقارنة بـ 65 نزاعاً في العام الماضي، ورسوم جمركية أميركية تشمل 96 دولة، تتزايد تكلفة الاضطرابات الاقتصادية. وتبلغ الخسائر السنوية الناجمة عن الانقسامات العالمية قرابة 300 مليار دولار، وقد ترتفع إلى 7 تريليونات دولار إذا اتسع نطاقها، دون احتساب المواجهات العسكرية، وفقاً للمنتدى الاقتصادي العالمي.

ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء وضغوط السندات

في هذا السياق، تقفز أسعار النفط والغاز إلى أعلى مستوياتها منذ أربع سنوات، بينما يواجه العالم خطر أزمة أمن غذائي جراء تعطل إمدادات الأسمدة. وتدفع موجة الغلاء بنوكاً مركزية إلى رفع أسعار الفائدة لكبح الأسعار، بالتزامن مع بلوغ عوائد السندات الحكومية أعلى مستوياتها منذ نحو 20 عاماً في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان وأستراليا.

ألمانيا: الإفلاس يتحول إلى أزمة وظائف

تواجه الشركات الألمانية موجة إفلاس متصاعدة؛ إذ أغلقت مليون و65 ألف شركة ومشروع خلال السنوات الست الأخيرة، بمعدل يومي بلغ 486 شركة. وخلال الأشهر السبعة الأولى من هذا العام، سُجلت نحو 14,500 حالة إفلاس، مع توقعات بارتفاع العدد إلى 24,650 شركة بنهاية العام. وقد أثرت حالات الإفلاس في أكثر من 165 ألف وظيفة خلال النصف الأول من العام. وترتبط هذه الإفلاسات بارتفاع تكاليف التشغيل، وخصوصاً أسعار الطاقة، إلى جانب المنافسة الصينية، والرسوم الجمركية الأميركية، وارتفاع تكاليف التمويل، ونقص العمالة.

قطاع السيارات الألماني في قلب اختبار العمالة

ويأتي قطاع السيارات الألماني في صميم الأزمة. حيث تخطط فولكس فاغن لتسريح 50 ألف موظف بحلول عام 2030، فيما تدرس BMW إلغاء 8 آلاف وظيفة قريباً. أما مرسيدس، فقد أُجّل صرف مستحقات لنحو 90 ألف موظف إلى العام المقبل، بدلاً من حصولهم عليها في الشهر الماضي. وتأتي هذه التطورات في ظل عوامل عدة، من بينها ارتفاع تكاليف التشغيل، ولا سيما أسعار الطاقة، والمنافسة الصينية، والرسوم الجمركية الأميركية، وارتفاع تكاليف التمويل، إلى جانب نقص العمال.

وفي حديثه إلى برنامج «بزنس مع لبنى» على سكاي نيوز عربية، تناول الرئيس التنفيذي لشركة مزايا الغاف من لونيت، محمد علي ياسين، هذه التطورات ضمن قراءته للضغوط الاقتصادية والمالية الراهنة.

السندات الأميركية.. كلفة الاقتراض تضغط على الاقتصاد

ويربط محمد علي ياسين بين هذه الصورة الأوسع وبين التوتر القائم في السياسة الاقتصادية الأميركية. فهو يرى أن الاقتصادات تواجه تحديات متعددة، وأن بعض التأثيرات السلبية للأحداث الحالية كانت آنية، لكن المشكلة تكمن في التضارب بين ما قد يكون صحيحاً للاقتصاد وما قد يكون صحيحاً للسياسيين. ويشير إلى أن نمو الناتج المحلي في الاقتصاد الأميركي مستمر منذ أيام إدارة بايدن، وأن هذا الاقتصاد يُظهر قوة مقارنة بالأسواق والاقتصادات والدول المتطورة، ومع ذلك يرى أن القرارات المتعلقة بأسعار الفائدة تواجه تضارباً بين الاعتبارات الاقتصادية والاعتبارات السياسية.

ويقول إن الهدف الرئيسي لرئيس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي يتمثل في خفض كلفة الاقتراض وتنزيل الفائدة، لكن ارتفاع أسعار الطاقة، خصوصاً مع استمرار الحرب الإيرانية، جعل تنفيذ هذه الخطوة أكثر صعوبة. ووفق قراءته، فإن استمرار ارتفاع التضخم مع عدم خفض الفائدة يمثل تأخراً في اتخاذ القرار الصحيح، بل يصفه بأنه قرار سياسي اقتصادي خاطئ قد تكون له انعكاسات سلبية على المدى الطويل.

وتبرز هنا سوق السندات بوصفها مقياساً مهماً لهذا التوتر، إذ يرى ياسين أن التسعير الحالي يعكس هذا التضارب. فقد بلغت عوائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً 5.28% ولأجل 10 سنوات 4.84%، وهي مستويات يقول إنها لم تُرَ منذ 15 إلى 20 عاماً.

الدين الأميركي يرفع مستوى المخاطر

وأشار ياسين إلى أن ديون الحكومة الأميركية تبلغ نحو 40 تريليون دولار، فيما يصل عجز الموازنة إلى نحو تريليوني دولار. وأوضح أن الحكومة الأميركية تواصل إصدار سندات جديدة لسداد السندات السابقة، موضحاً أنه يمكن إصدار سندات لأجل عامين، ثم إصدار سندات جديدة قبل استحقاقها لسداد السندات القديمة ومواصلة عملية الاقتراض. وقال في الأثناء إن هذه الآلية تزيد العجز، موضحاً أنه عندما ينمو الناتج المحلي بنسبة 3% بينما تبلغ كلفة الدين 4.5%، ينشأ فارق سلبي قدره 1.5 نقطة مئوية، بما يزيد الضغط على حساب الدين. وأضاف أن ارتفاع حساب الدين يجعل البنوك والمستثمرين أقل استعداداً للإقراض، مشبهاً ذلك بحالة الشخص الذي تتزايد ديونه، بما يرفع مخاطر التعثر عن السداد.

وحذر ياسين من أنه إذا تجاوز عائد السندات الأميركية لأجل عشر سنوات مستوى 5%، فإنه يتوقع أن يشهد سوق الأسهم تصحيحاً كبيراً.

عوائد السندات تنافس الوظائف والاستثمار

ولا تتوقف المنافسة الاستثمارية عند السندات والأسهم. فقد تساءل ياسين: «إذا كان عائد السند الحكومي يبلغ 5.25%، فلماذا أشتري سهمًا يحقق عائدًا يتراوح بين 3 و4%؟» وأشار إلى أن ارتفاع عوائد السندات يخلق منافسة بين الأدوات الاستثمارية، بما فيها الودائع المصرفية، التي ينبغي أن تقدم بدورها عوائد أعلى. وفي ظل حالة عدم اليقين، يرى ياسين أن «الأسواق تكافئ الأمان»، موضحاً أنه إذا كان المستثمر يستطيع الحصول على عائد يتراوح بين 5 و6% من خلال وديعة، مع استقرار العملة وارتباطها بالدولار، فإنه قد يتساءل: «لماذا آخذ مخاطرة؟» وأضاف أن المستثمر في أوقات عدم اليقين يمكنه الاحتفاظ بأمواله في الوديعة والحصول على عائد يتراوح بين 5 و6%.

أزمة السندات.. هل تمتد إلى الاقتصاد العالمي؟

وفي ما يتعلق باحتمال أن يؤدي انفجار فقاعة السندات إلى أزمة مالية عالمية جديدة، يرى ياسين أن «كل شيء معقول»، مشيراً إلى أن الأزمات قد تقع عندما لا يكون الجميع منتبهاً إليها، لا عندما يكون الجميع يتوقعها. ويشير ياسين إلى أن مستويات الدين الحالية غير مسبوقة تاريخياً، لافتاً إلى تراجع الثقة في شراء السندات، وإلى أن إعادة تمويل الديون تمثل تحدياً. وحتى إذا أمكن تجاوز هذه المشكلة، فإن تداعياتها قد تمتد إلى دول وصناعات أخرى.

ويرى ياسين أن ما يحدث في ألمانيا قد يعكس مشكلة أوسع في أوروبا، مشيراً إلى أن ألمانيا، باعتبارها قاطرة الاقتصاد الأوروبي واقتصاداً صناعياً، تواجه منافسة من الصين. أما الدولار، فيرى أنه لا يزال عملة الاحتياطي العالمية وسيبقى كذلك لفترة، لكنه قد يصبح مستقبلاً واحداً من مجموعة عملات، بدل أن يظل العملة الرئيسية الوحيدة.

الذهب والودائع.. البحث عن الأمان

وفي ظل عدم اليقين، يرى ياسين أن المستثمر الذي يملك سيولة لا ينبغي أن يبيع كل شيء، لكنه في المقابل لا يرى أن ضخ سيولة استثمارية جديدة هو الخيار الأفضل بالضرورة. ويعتبر أن الاحتفاظ بها في وديعة قد يكون مناسباً، فيما يمكن أن تمثل التذبذبات فرصة للدخول عند أسعار أفضل. أما الذهب، فيرى أن ارتفاع العوائد إلى مستويات 5% و6% يجعله أقل جاذبية كأداة استثمارية، لكنه لا يغير موقفه من المستثمر طويل الأجل. وبحسب رأيه، فإن تخصيص 20% إلى 25% من المحفظة للذهب ليس أمراً خاطئاً ولا يمثل مخاطرة بالنسبة إلى المستثمر طويل الأجل.

وهكذا، تمتد صورة الأزمة من التضخم والطاقة والسندات والدين إلى الشركات والوظائف. وفي الحالة الألمانية تحديداً، تقدم أرقام الإفلاسات وتسريح العاملين وتأجيل المستحقات صورة مباشرة عن الكلفة التي يمكن أن تتحملها سوق العمل عندما تتراكم ضغوط الطاقة والتمويل والمنافسة في وقت واحد.